إيران تطالب بقواعد جديدة لا حكماً قديمًا

مظاهرات ایرانیون احرار في اوروبا-
ایلاف- حسن محمودي:
لمن لا يعرف تاريخ إيران جيدًا، من الضروري الخروج من فكرة أنّ الإيرانيين يسعون فقط لتغيير الحاكم. ما يحدث اليوم هو طلبٌ جذريٌّ لتغيير قواعد الحكم نفسها. بعد أكثر من قرنٍ من الفشل الاستبدادي المتكرّر، يرفض المجتمع الإيراني الشاه والثيوقراطية معًا، النموذجين السياسيين اللذين سيطرا على البلاد وأضرّا بها خلال الـ120 سنة الماضية.
يبدأ التاريخ السياسي الحديث لإيران مع الثورة الدستورية في أوائل القرن العشرين، حين أجبرت الحركات الشعبية على إنشاء أول برلمان، وأدخلت مبدأ أنّ السلطة يجب أن تكون محدودة بالقانون. كانت تلك لحظة تأسيسية، طالب الإيرانيون فيها بالتمثيل والمحاسبة وحكم القانون. لكن هذه المكاسب تعرّضت للتحدّي فورًا من السلطة الراسخة. حلّ الملك البرلمان بالقوة بدعم مصالح أجنبية، ما أظهر هشاشة المؤسسات الديمقراطية أمام السلطة غير المقيّدة.
بالرغم من استعادة البرلمان لاحقًا، بقي النظام هشًّا. تعرّضت هذه الهشاشة للاختبار الكامل في 1921، عندما استولى رضا خان على السلطة بانقلابٍ عسكريٍّ مدعومٍ من بريطانيا، ومعارضة من شخصياتٍ ديمقراطية مثل محمد مصدق. انتقلت السلطة من المؤسسات إلى القوّة الخام. حكم إيران لعقود دكتاتورية مركزية تخدم المصالح الاستراتيجية الأجنبية أكثر من السيادة الشعبية. وعندما أطاحت القوى نفسها برضا شاه واستبدلته بابنه، أكّدت الحادثة مدى انفصال الحكم عن إرادة الشعب.
جاءت أكثر محاولات الحكم الديمقراطي جدّية في أوائل الخمسينيات مع رئيس الوزراء محمد مصدق. مثّلت حكومته تقاطعًا نادرًا بين الاستقلال الوطني والديمقراطية البرلمانية. لكن جهوده للسيطرة على الموارد وتعزيز المؤسسات الديمقراطية قوبلت بمقاومةٍ شرسة من القوى الخارجية. أطاح انقلاب أميركي-بريطاني بحكومته عام 1953، وأعاد نظام الشاه الاستبدادي. تلا ذلك ربع قرنٍ من القمع السياسي: الرقابة، السجن، والتعذيب المنهجي.
كانت ثورة 1979 مدعومة على نطاقٍ واسع لأنّها وعدت بإنهاء الدكتاتورية. شارك ملايين بأمل الحرية وتقرير المصير. لكن النظام الذي حلّ محلّ الشاه أدخل شكلًا جديدًا من السلطة المطلقة، هو الحكم الديني المتمركز حول سلطة رجال الدين. قُمعت التعددية السياسية بسرعة. بحلول أوائل الثمانينيات، أُزيلت المعارضة، وتلت ذلك إعدامات جماعية. حذّر شخصيات مثل مهدي بازرگان، أول رئيس وزراء بعد الثورة وداعم الحكم الديمقراطي، من أنّ استبدال دكتاتورية دون بناء مؤسسات ديمقراطية سيعيد إنتاج القمع. وقد ثبتت تحذيراته صحيحة.
منذ أوائل العقد الثاني من القرن الحالي، شهدت إيران موجات احتجاجات وطنية متكرّرة. وعلى عكس الحركات السابقة، تعكس هذه الاحتجاجات مجتمعًا تعلّم من ماضيه. لا يطالب المتظاهرون اليوم بإصلاحٍ داخل أنظمةٍ استبدادية، بل يطالبون بقطيعةٍ هيكلية معها. لهذا السبب، تتزايد الشعارات والخطاب السياسي المعاصر برفض الحكم الوراثي والسلطة الدينية المطلقة معًا. المطلب ليس حاكمًا مختلفًا، بل نظامًا لا يقف فيه أي حاكم فوق القانون.
هذا التمييز حاسم. يُظهر التاريخ أنّ إسقاط نظام لا يُنتج ديمقراطية تلقائيًا. الحركات التي تعتمد على القوّة أو الكاريزما أو الدعم الخارجي غالبًا ما تعيد إنتاج الممارسات الإقصائية نفسها بمجرد وصولها إلى السلطة. وقد تشكّل الوعي السياسي الإيراني على هذا الدرس بكلفةٍ باهظة. ففي نقاشاتٍ داخلية خلال القمع الوحشي في الثمانينيات، قال مهدي بازرگان إنّ أي حكومة لا تعترف بحقوق معارضيها ستلجأ حتمًا إلى العنف للبقاء. النظام الذي لا يتحمّل المعارضة، بغضّ النظر عن أيديولوجيته، يبقى استبداديًا بطبيعته.
يُشكّل هذا الوعي التاريخي الانقسام السياسي اليوم. فمن جهة، مقاربات تركز على شخصيات أو روايات نوستالجية تقدّم اطمئنانًا عاطفيًا دون ضماناتٍ مؤسسية. ومن جهة أخرى، مقاربات تؤكد الإجراءات الديمقراطية، والحكم العلماني، والمساواة أمام القانون، وحماية الأقليات. الأخيرة تعكس جهدًا واعيًا لتجنّب تكرار الدورات التي أفشلت طموحات إيران الديمقراطية مرارًا.
أصبح المجتمع الإيراني اليوم ناضجًا سياسيًا وواعيًا تمامًا بكلفة الحكم الاستبدادي. سنوات القمع والفساد والانهيار الاقتصادي أوضحت المشكلة الجذرية: تركيز السلطة غير المقيّدة. أي نظامٍ مستقبلي يقسّم المواطنين إلى موالين وأعداء سيواجه مقاومة من المجتمع نفسه الذي واجه الشاه والثيوقراطية معًا.
ما يطالب به الإيرانيون اليوم ليس عودةً إلى الماضي ولا تغييرًا تجميليًا في القمة. إنّه إعادة تعريف الحكم نفسه، مبنيًّا على المحاسبة، والتعددية، وقبول المعارضة بوصفها جزءًا شرعيًا وضروريًا من الحياة السياسية.