أمّ وحيد بني عامريان: بعد حبل المشنقة سرقوا الجثمان أيضًا

الشهید وحيد بني عامريان-
ایلاف – حسن محمودي:
متظاهرة في باريس تضع ملصقًا على فمها كُتب عليه “لا للإعدام”، قبيل مسيرة صامتة للتنديد بحملة القمع الدامية التي تشنّها الحكومة الإيرانية ضد المتظاهرين، في 31 كانون الثاني (يناير) 2026
متظاهرة في باريس تضع ملصقًا على فمها كُتب عليه “لا للإعدام”، قبيل مسيرة صامتة للتنديد بحملة القمع الدامية التي تشنّها الحكومة الإيرانية ضد المتظاهرين، في 31 كانون الثاني (يناير) 2026
تكشف شهادة أمّ وحيد بني عامريان كيف يتحول الإعدام في إيران إلى جريمة مضاعفة تمتد من قتل السجين إلى احتجاز جثمانه ومعاقبة عائلته.
في لحظةٍ تختزل وحشية نظام ولاية الفقيه في أبشع صورها، خرج صوت أمّ الشهيد وحيد بني عامريان ليقول ما تعجز عنه التقارير والبيانات: “لقد أخذتم مني ابني، والآن لا تتركون حتى جثمانه”. كلماتٌ قصيرة، لكنها تكشف طبقةً إضافية من الجريمة: ليس الإعدام وحده، بل تحويل الجثمان إلى “رهينة”، ومنع العائلة من حقها الإنساني في الوداع والدفن والعزاء.
قبل أيام، أقدمت السلطات الإيرانية على إعدام وحيد بني عامريان ورفاقه الخمسة من السجناء السياسيين المنتمين إلى منظمة مجاهدي خلق الإيرانية في سجن “قزل حصار”، في موجةٍ أثارت صدمة واسعة داخل إيران وخارجها، ودفعت منظمات حقوقية إلى التحذير من تصاعد الإعدامات كأداة لإرهاب المجتمع في ظل التوترات والحرب والاضطراب السياسي. ومع أن إعلام السلطة قدّم روايته المعتادة عن “أحكام قضائية”، فإن سياق هذه الإعدامات وتوقيتها، وطريقة التعامل مع عائلات الضحايا، يعيد إلى الأذهان نمطًا قديمًا: تصفية المعارضين ثم معاقبة أسرهم بالعتمة والتهديد.
تقول الأم: “صرختُ طوال 114 أسبوعًا: لا تقتلوه، لكنكم قتلتموه”. هذه الجملة ليست مجرد مرثية، إنها شهادة على معركة طويلة خاضتها عائلات السجناء السياسيين، ومعها أصوات داخل السجون وخارجها، ضد سياسة الإعدام بوصفها “أداة حكم”. وفي الأسابيع الأخيرة، ازدادت المؤشرات على أن الدولة لا تستخدم المشانق فقط لإنهاء حياة الأفراد، بل لتوجيه رسالة عامة: “لا أمان لأحد”.
غير أن الجريمة لم تتوقف عند تنفيذ الإعدام. فوفق تقارير متعددة، امتنعت السلطات عن تسليم جثامين ستة من الضحايا إلى عائلاتهم، ولم تقدم معلومات شفافة عن مكان الدفن أو الإجراءات المتخذة، ما يفتح الباب أمام احتمال الدفن السري وحرمان الأسر من أبسط حقوقها. وهنا يتضاعف الألم: الأم لا تواجه فقدان ابنها فقط، بل تواجه أيضًا محاولة محو أثره وإغلاق باب الحداد بالقوة، وكأن الجثمان نفسه يصبح جزءًا من جهاز الردع.
هذا السلوك ليس تفصيلاً ثانويًا. “حرمان العائلة من الجثمان” هو امتداد للعقوبة إلى خارج أسوار السجن، وهو شكل من أشكال التعذيب النفسي الجماعي، وغالبًا ما يترافق مع تهديدات لمنع إقامة مراسم تأبين أو تجمعات سلمية. لذلك يصبح سؤال الأم: “هل عليّ أن أصرخ أيضًا: سلّموني جثمانه؟” سؤالاً موجهًا إلى منظومة كاملة تريد أن تقتل ثم تمنع حتى حق البكاء.
إنَّ احتجاجات الإيرانيين في الخارج ضد موجة الإعدامات، وما تثيره من اهتمام إعلامي وحقوقي، تكسر جزئيًا هذا الحصار وتعيد القضية إلى واجهة الرأي العام. لكن العبء الأكبر يبقى على المنظمات الدولية والهيئات المعنية بحقوق الإنسان: أن تطالب بوقف فوري للإعدامات، وأن تلحّ على كشف مصير الجثامين وتسليمها لأسرها، وأن تدفع باتجاه مساءلة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
تختم الأم بعبارة تقطر غضبًا وكرامة: “العار عليكم، نحن لن نغفر لكم”. في هذه الجملة، تتجسد الحقيقة التي يخشاها النظام: أن الإعدام لا يطفئ الذاكرة، وأن حرمان الأمهات من جثامين أبنائهن لا يكسر إرادتهن، بل يحول الألم إلى شهادة، والحداد إلى إدانة، والصمت إلى صرخةٍ قد تصبح، مرة أخرى، بداية طريقٍ أطول نحو العدالة والحرية.