الأخبارالمعارضة الإيرانية

طهران تريد إتفاقا تکتيکيا وليس استراتيجيا

طهران تريد إتفاقا تکتيکيا وليس استراتيجيا
عند التأمل ملية في التطورات الدراماتيکية الجارية

بحؤاني – منى سالم الجبوري:
عند التأمل ملية في التطورات الدراماتيکية الجارية في سياق المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران منذ الهدنة المعلنة بعد 40 يوما من الحرب الضارية، فإن الذي يتوضح جليا إن النظام القائم في إيران لا يسعى الى إتفاق شامل واضح الملامح طويل الامد مع الولايات المتحدة وإنما يريد ما يمکن وصفه بتفاهمات أو إتفاقيات محدودة يمکن أن تساهم في تحسين أوضاعه الاقتصادية المتفاقمة وفي نفس الوقت تکون له بمثابة فرصة لإلتقاط أنفاسه وإعادة ترتيب أوضاعه على مختلف الاصعدة.
الحاجة الماسة للنظام الايراني لهکذا نمط من التفاهم والاتفاق تأتي إنه وبعد مضي کل تلك الاعوام على العقوبات والضغوطات والعزلة الدولية القاسية التي يعاني منها، والتي أجبرت الاقتصاد الإيراني أن يواجه تحديات غير مسبوقة تمثلت في ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة الريال الايراني بصورة غير مسبوقة، وتفاقم مشکلة البطالة، الى جانب اتساع دائرة الفقر والاستياء الشعبي، وهو ما قد ترك آثارا سلبية على الاستقرار الامني للنظام بما يٶکد على إن إستمرار الحال بهذا الشکل قد يٶدي الى مضاعفات قد تکون أسوأ بالنسبة له حتى من إنتفاضة يناير 2026، ومن الصعب عليه مواجهتها ووضع حد لها.
ولذلك، فإن النظام الايراني يتعامل مع المفاوضات مع الولايات المتحدة کوسيلة وکعامل من أجل تخفيف الضغوط وتحسين وترتيب أوضاعه الداخلية وليس حسم الخلافات الجوهرية بين الطرفين، لأنه يدرك أن التوصل إلى اتفاق شامل يتطلب بالضرورة القهرية تقديم تنازلات كبيرة في ملفات حساسة، وفي مقدمتها البرنامج النووي والسياسات الإقليمية وبرنامج الصواريخ الباليستية، وهي ملفات يعتبرها جزءا من أدوات بقائه ونفوذه.
ومن هنا، فإن النظام الايراني لا يريد أو يسعى الى إتفاق شامل يحسم کل الامور والملفات العالقة بين الطرفين وإنما يطمح من أجل نحو اتفاق محدود أو مرحلي يتيح الإفراج عن بعض الأصول المالية المجمدة، أو تخفيف بعض العقوبات الاقتصادية، أو توسيع هامش تصدير النفط، مقابل خطوات فنية أو مؤقتة تتعلق بالبرنامج النووي. وهکذا نمط من الاتفاق والتفاهم يتيح لطهران کما يبدو مساحة مناسبة لمعالجة الضغوط الداخلية وتجنب مضاعفاتها من دون أن يضطر إلى تقديم تنازلات استراتيجية قد تفاقم من حدة الصراع والخلاف بين أجنحته، بالاضافة الى أن العامل الزمني يعتبر عنصرا مهما جدا في حسابات النظام للخروج بأقل قدر ممکن من الخسائر على أمل أن تٶدي الاحداث والتطورات الدولية والاقليمية المستقبلية الى تحسين شروطه التفاوضية.
غير إن هذا النمط الذي يتبعه النظام الايراني في مفاوضاته الجارية والاهداف التي يسعى إليها لايبدو إنها بخافية على الولايات المتحدة بشکل خاص والبلدان الغربية بصورة عامة حيث أصبحوا أكثر حذرا من الدخول في تفاهمات مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة، الى جانب إن التجارب السابقة أظهرت أن الاتفاقات المحدودة غالبا ما تتحول إلى محطات مؤقتة تؤجل الخلافات بدلا من حلها. کما يجب الاخذ بنظر الاعتبار من أن الأزمة الاقتصادية لإيران بلغت مستويات تجعل من الصعب على أي تخفيف جزئي للعقوبات أن يحقق تحولا ملموسا ومستداما في الوضع الاقتصادي.
لکن مع ذلك يجب عدم تجاهل واحدا من أهم المسائل التي يأخذها النظام بنظر الاعتبار ويجعلها على رأس أولوياته، حيث إن تصاعد السخط الشعبي داخل إيران يضع ضغوطا متزايدة عليه، ولاسيما وإنه لم تعد المطالب الشعبية تقتصر على تحسين الأوضاع المعيشية، بل امتدت لتشمل قضايا سياسية واجتماعية أعمق تتعلق بطبيعة الحكم ومستقبل البلاد والاهم والاخطر من ذلك هو بروز وتصاعد دور المقاومة المنظمة بقيادة منظمة مجاهدي خلق من حيث التأثير على الحراك الشعبي ضد النظام. ولذلك فإن أي اتفاق محدود قد يوفر للنظام متنفسا مؤقتا، لكنه لن يكون كافيا لمعالجة الأسباب البنيوية للأزمة التي تزداد حدة مع مرور الايام وما قد ينعکس ذلك سلبا على الداخل الايراني خصوصا وإن الانظار الدولية والاقليمية تتجه أکثر من أي وقت مضى للترکيز على الداخل الايراني ولاسيما وإن جمر إنتفاضة يناير 2026، لاتزال تحت الرماد.

زر الذهاب إلى الأعلى