حين تتحول المحرمات إلى أدوات لتمويل النظام

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم يعد الالتفاف على العقوبات الدولية بالنسبة لنظام الملالي مجرد نشاط مالي سري، بل تحول إلى منظومة متكاملة توظف كل ما هو محظور أو غير مشروع من أجل تأمين الموارد المالية اللازمة لاستمرار نفوذه. ويكشف التحقيق الاستقصائي الذي نشرته وكالة رويترز عن جانب بالغ الخطورة من هذه المنظومة، إذ يربط بين شبكات المقامرة الإلكترونية والعملات الرقمية وجهات خاضعة للعقوبات، في نموذج يعكس طبيعة الاقتصاد الموازي الذي نشأ في ظل هيمنة الحرس الثوري على مفاصل الدولة.
فالمفارقة اللافتة أن المقامرة، التي يجرمها هذا النظام ويعاقب عليها بالسجن والجلد، تحولت – بحسب التحقيق – إلى مصدر تمويل ضخم يجري استثماره عبر شبكات مرتبطة بمراكز نفوذ داخل النظام. وهذه الازدواجية لا تعكس تناقضا أخلاقيا فحسب، بل تكشف عن آلية حكم تقوم على احتكار السوق السوداء والسيطرة عليها بدلا من القضاء عليها.
وتشير المعطيات الواردة في التحقيق إلى أن منصات العملات الرقمية لم تعد مجرد وسيلة تقنية لتبادل الأصول، بل أصبحت جسرا يربط الأموال المتأتية من أنشطة غير قانونية بالأسواق المالية العالمية، بما يتيح الالتفاف على القيود المصرفية والعقوبات المفروضة على طهران. كما أن ورود أسماء مؤسسات وشخصيات خاضعة للعقوبات ضمن شبكة التحويلات يثير تساؤلات جدية بشأن حجم الاقتصاد الخفي الذي يديره النظام بعيدا عن الأطر المالية التقليدية.
والأخطر من ذلك أن هذه الشبكات، وفق ما عرضه التحقيق، واصلت نشاطها حتى خلال فترات التصعيد العسكري، بما يعكس أن البنية المالية الموازية أصبحت جزءا أساسيا من استراتيجية النظام في مواجهة الضغوط الخارجية، وليس مجرد نشاط عابر فرضته العقوبات.
ولا يقتصر أثر هذه الشبكات على الجانب المالي، بل يمتد إلى تقويض الثقة بالنظام القانوني نفسه. فحين تحظر أنشطة معينة رسميا بينما تستغل في الخفاء لتحقيق أرباح هائلة من قبل جهات نافذة، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع هي أن القانون لا يطبق على الجميع، وإنما يستخدم أداة للسيطرة والاحتكار.
إن ما كشفته رويترز لا يسلط الضوء على قضية غسل أموال أو تهرب من العقوبات فحسب، بل يطرح صورة أوسع عن طبيعة النظام الاقتصادي الذي نشأ في إيران، حيث تتداخل السياسة والأمن والاقتصاد في شبكة واحدة، يصبح فيها النشاط غير المشروع جزءا من آليات إدارة الدولة. ومن هنا، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تتعلق فقط بتشديد العقوبات، وإنما بكشف البنية التي تسمح بتحويل الاقتصاد الموازي إلى أحد أهم مصادر القوة والاستمرار للنظام.