حين يتحول القمع إلى اعتراف بالخوف

بحزاني – منى سالم الجبوري:
كلما اشتدت قبضة النظام الإيراني في الداخل، وارتفع منسوب مغامراته العسكرية في الخارج، سارع إلى تقديم ذلك على أنه دليل قوة وثقة بالنفس. غير أن القراءة المتأنية لمسار الأحداث تقود إلى استنتاج معاكس تماما؛ فالنظم الواثقة من استقرارها لا تلجأ إلى الإعدامات الجماعية، ولا تجعل من التصعيد الإقليمي وسيلتها الدائمة لإدارة الأزمات. أما النظام الإيراني، فإنه كلما اقترب من لحظة الاختناق السياسي والاجتماعي، ازداد اعتمادا على المشانق في الداخل والسلاح في الخارج، في محاولة يائسة لتأجيل استحقاق بات يدرك أنه لا مفر منه.
إن الارتفاع غير المسبوق في وتيرة الإعدامات خلال العام الجاري، والذي تجاوز مئات الضحايا في أشهر قليلة، لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد تشدد قضائي أو إجراء أمني، بل يعكس حالة ذعر تعيشها السلطة. فالنظام يعلم أن المجتمع الإيراني يعيش حالة احتقان غير مسبوقة نتيجة الانهيار الاقتصادي، وتفشي الفساد، واتساع رقعة الفقر، وانهيار الخدمات الأساسية، ولذلك يسعى إلى إعادة إنتاج الخوف باعتباره آخر خطوط الدفاع عن بقائه. ومن هنا، لم تعد المشانق مجرد وسيلة لمعاقبة المعارضين، وإنما تحولت إلى رسالة موجهة إلى مجتمع بأكمله مفادها أن النظام لا يزال يمتلك القدرة على البطش.
غير أن هذا السلوك لا يعكس قوة بقدر ما يكشف هشاشة عميقة داخل بنية الحكم. فالقيادة الإيرانية لم تنس الدرس الذي انتهى إليه نظام الشاه عندما أدى تخفيف القبضة الأمنية في أواخر سبعينيات القرن الماضي إلى انهيار حاجز الخوف وانفجار الشارع خلال فترة قصيرة. ولهذا، فإنها تعتقد أن أي تراجع في مستوى القمع سيؤدي إلى النتيجة ذاتها، وربما بوتيرة أسرع، لأن الأزمة التي تواجهها اليوم أكثر تعقيدا وأشد عمقا من تلك التي واجهها النظام السابق.
ولا يقتصر الخوف على الشارع، بل يمتد إلى أجهزة النظام نفسها. فاستمرار ولاء المؤسسات الأمنية يعتمد إلى حد كبير على شعور عناصرها بأنهم محصنون من المحاسبة. ولذلك، فإن وقف آلة الإعدام أو تخفيف القبضة الأمنية لا يعني بالنسبة للسلطة مجرد تغيير في الأسلوب، وإنما تهديد مباشر لتماسك أجهزتها القمعية، التي تدرك أن سقوط النظام قد يفتح الباب أمام مساءلة قانونية وسياسية عن عقود من الانتهاكات.
وفي الوقت الذي يصعد فيه النظام من قمعه الداخلي، يواصل سياسة الهروب إلى الأمام خارجيا. فالتدخلات الإقليمية، والتمسك بالمشروع الصاروخي، والاستمرار في دعم الميليشيات، لم تعد تعبر عن مشروع توسعي بقدر ما أصبحت محاولة لصرف الأنظار عن أزمة داخلية تتفاقم يوما بعد آخر. حتى الضربات العسكرية التي استهدفت مواقعه ومنشآته ووكلاءه في الآونة الأخيرة لم تدفعه إلى مراجعة سياساته، بل زادته تمسكا بها، لأنه يرى في أي تراجع بداية لانهيار منظومة الردع التي بنى عليها نفوذه طوال العقود الماضية.
وفي المقابل، تبدو المفارقة صارخة بين الشعارات التي يرفعها النظام والواقع الذي يعيشه قادته. ففي الوقت الذي يهاجم فيه الغرب صباح مساء، تستقر أعداد كبيرة من أبناء وأقارب كبار المسؤولين في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ودول غربية أخرى، بينما يواجه المواطن الإيراني انقطاعات متكررة في الكهرباء والمياه، وتراجعا مستمرا في مستوى المعيشة، رغم أن بلاده تمتلك واحدة من أكبر الثروات النفطية والغازية في العالم. ولم يكن ذلك نتيجة نقص في الموارد، بل بسبب توجيه القسم الأكبر من الإمكانات الوطنية إلى الأجهزة الأمنية، والمشاريع العسكرية، وتمويل الميليشيات، والبرنامج النووي، على حساب التنمية والخدمات.
ومن هنا، فإن الرهان على أن المفاوضات وحدها قادرة على تغيير سلوك النظام يبدو رهانا أثبت فشله مرارا، كما أن الاكتفاء بالضربات العسكرية الخارجية، رغم تأثيرها، لا يعالج جوهر المشكلة، بل قد يمنح السلطة فرصة لاستثمار التوتر الخارجي في تعبئة الداخل وتأجيل استحقاقات الأزمة. ولذلك، فإن مفتاح التغيير الحقيقي لا يوجد في طاولات التفاوض وحدها، ولا في ساحات المواجهة العسكرية، وإنما في الداخل الإيراني نفسه.
لقد أثبتت الانتفاضات الشعبية المتعاقبة أن المجتمع الإيراني لم يعد مستعدا للتعايش مع منظومة الحكم القائمة، كما أثبتت المقاومة الإيرانية المنظمة، وفي مقدمتها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق، قدرتها على الحفاظ على حضورها السياسي والتنظيمي رغم عقود من القمع والإعدامات وحملات التشويه. ومع تنامي نشاط وحدات المقاومة واتساع دائرة الاحتجاجات الاجتماعية والعمالية، تتزايد مخاوف السلطة من تلاقي الغضب الشعبي مع العمل التنظيمي، وهو الاحتمال الذي تعتبره الأخطر على بقائها.
ولهذا، فإن كعب أخيل الحقيقي للنظام لا يتمثل في العقوبات أو الضربات العسكرية، مهما بلغت شدتها، وإنما في الشعب الإيراني الذي يرفض استمرار هذا الواقع، وفي المقاومة المنظمة التي تقدم مشروعا سياسيا بديلا لإيران ديمقراطية تقوم على سيادة القانون، وفصل الدين عن الدولة، واحترام حقوق الإنسان، وإقامة علاقات طبيعية مع دول الجوار والعالم.
إن النظام الذي يجعل من المشانق وسيلته الأولى للحكم، ومن الحروب الخارجية وسيلته للهروب من أزماته، لا يعبر عن قوة، بل عن خوف عميق من لحظة باتت تقترب أكثر من أي وقت مضى. ولذلك، فإن مستقبل إيران لن تحدده قدرة السلطة على زيادة أعداد الإعدامات أو توسيع دائرة المواجهات الإقليمية، بل ستحدده قدرة الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة على تحويل حالة الرفض الشعبي إلى مشروع تغيير وطني، يطوي صفحة الاستبداد، ويؤسس لجمهورية ديمقراطية تكون مصدر استقرار لإيران والمنطقة، بدلا من أن تبقى بؤرة دائمة للأزمات.