سياسة المهادنة والاسترضاء الغربية وإمكانية ارتكاب النظام الإيراني مجازر أخرى

صور لشهداء مجزرةصیف عام 1988في ایران
الحوار المتمدن- سامي خاطر:
منذ أكثر من أربعة عقود، والغرب يكرر الخطأ ذاته مع النظام الإيراني معتمدا سياسة المهادنة والاسترضاء، وبدلًا من محاسبة طهران على جرائمها تتسابق بعض العواصم الغربية إلى فتح قنوات خلفية، صفقات تجارية، أو وعود بتخفيف العقوبات، وكأن النظام الحاكم في إيران يعاني من سوء تفاهم سياسي بسيط لا من طبيعة دموية استبدادية متجذّرة.
تُعَدّ السياسة الغربية تجاه النظام الإيراني منذ عقود مثالًا واضحًا على نهج المهادنة والاسترضاء الذي يقوم على تقديم تنازلات متكررة أملاً في تعديل سلوك النظام أو احتوائه.. غير أن التجارب المتكررة أثبتت أن هذه السياسة لم تُسفر إلا عن مزيد من التوسع في جرائم القمع الداخلي، وزيادة تدخلات طهران في المنطقة، وتكريس مشروعها النووي والعدواني.
جذور سياسة المهادنة
بدأت هذه السياسة مع محاولات بعض الدول الغربية خاصة في أوروبا الفصل بين “المعتدلين” و”المتشددين” في النظام الإيراني، والرهان على إمكانية دفع طهران نحو إصلاحات تدريجية عبر الحوار والاتفاقيات الاقتصادية على الرغم من معرفتهم أن كلا الطرفين ما يسمونهم بالمعتدلين والمتشددين كلاهما وجهان لعملة واحدة في نظام ولاية الفقيه، وقد كان اتفاق عام 2015 النووي مثّل ذروة هذا التوجه إذ قُدِّمت لملالي إيران امتيازات اقتصادية ورفع للعقوبات دون معالجة ملف القمع وانتهاكات حقوق الإنسان أو دور الميليشيات التابعة لها في المنطقة.
رهان فاشل اسمه “الاسترضاء” ونتائج المهادنة الكارثية
اتفاق فيينا النووي 2015 كان أوضح مثال على هذه السياسة العرجاء: مليارات الدولارات أُفرج عنها، العقوبات رُفعت، والأسواق الأوروبية فُتحت أمام طهران؛ لكن ماذا كانت النتيجة؟ لم يتغيّر سلوك النظام بل تمدد أكثر في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وصواريخه الباليستية تزايدت.. بينما الداخل الإيراني يغرق في القمع والفقر وانتهاكات حقوق الإنسان، وقد راهن الغرب على أن الانفتاح سيغيّر سلوك طهران.. لكن الحقيقة أن الانفتاح غذّى آلة القمع ومشاريع التوسع، وترك الشعب الإيراني وحيدًا أمام رصاص ما يسمى بـ الحرس الثوري.
جاءت النتائج معاكسة تمامًا لتوقعات صانعي القرار في الغرب.. فقد استغل النظام الإيراني رفع العقوبات لتوسيع نفوذه في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتطوير برنامجه الصاروخي، وتعزيز آلة القمع الداخلي.. أما المهادنة فلم تُضعف الحرس الثوري بل زادت من سلطته ونفوذه، ورسّخت قناعة لدى طهران أن التهديدات الغربية لا تتجاوز الكلام وأن العقوبات قابلة للتراجع عند أي صفقة مؤقتة.
خطر المجازر الجديدة وتواطؤ الغرب بالصمت
التاريخ القريب للنظام الإيراني يُظهر استعدادًا متكررًا لارتكاب مجازر جماعية كلما شعر بالخطر الوجودي.. ولا تزال مجزرة 1988 ضد السجناء السياسيين التي أودت بحياة 30,000 شخص وصمة عار على جبين المجتمع الدولي، وتؤكد أحداث 1999 و2009، و2019 التي أودت بحياة آلاف المتظاهرين أن إطلاق النار على المتظاهرين العزّل جزء من عقيدة البقاء لدى هذا النظام.
اليوم، ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية الداخلية وازدياد عزلة النظام فإن احتمالية لجوئه إلى العنف الدموي تتزايد.. وسياسة المهادنة الغربية تشجّع النظام على الاعتقاد بأنه يستطيع إخماد أي انتفاضة شعبية بالقوة المفرطة دون خوف من تبعات دولية حقيقية، ولسان حالهم يقول إنهم يرسلون لطهران رسالة واضحة: اقتُلوا ما شئتم فلن نحاسبكم.
ما لم يدركه الساسة الغربيون أن الصمت على جرائم طهران ليس حيادًا بل تواطؤًا.. فعندما يكتفي الاتحاد الأوروبي ببيانات “قلق” بينما يُقتل المئات في شوارع إيران، وعندما تتسابق بعض الحكومات الأوروبية لعقد صفقات نفطية مع نظام يقتل أبناءه فهذا يعني عمليًا منح الضوء الأخضر للمجازر القادمة.
مسؤولية الغرب.. وبديل المهادنة
إذا استمرت أوروبا وأمريكا في تجنّب المواجهة الحقيقية مع النظام الإيراني فإنها تتحمّل جزءًا من المسؤولية عن أي مجازر مستقبلية. فالصمت أو التبرير أو العودة إلى صفقات جزئية يشكل رسالة واضحة لطهران مفادها أن الدماء التي تُسفك في الداخل ليست عائقًا أمام التعاملات السياسية والاقتصادية.
الخيار الواقعي والإنساني يتمثل في التخلي عن سياسة الاسترضاء والانتقال إلى نهج الحزم: فرض عقوبات صارمة تستهدف الحرس الثوري وأجهزة القمع، وتدعم في الوقت ذاته تطلعات الشعب الإيراني ورؤية ومشروع المقاومة الإيرانية، والاعتراف بحق الإيرانيين في التغيير السياسي.
الطريق الوحيد: الحزم لا الاسترضاء
التجربة تقول بوضوح: النظام الإيراني لا يفهم إلا لغة القوة والعقوبات المشددة وأي انفتاح أو مهادنة لن يغيّر طبيعته بل سيمنحه الوقت والموارد لقمع الداخل وتصدير الإرهاب للخارج.. والمطلوب الآن من الغرب ليس بيانات خجولة بل تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية دولية، وفرض عقوبات موجعة على مؤسسات القمع والفساد، والاعتراف بحق الشعب الإيراني في إسقاط هذا النظام الدموي.
لا أحد يردعه.. لا شيء يردعه.. فهل سيرتكب نظام ولاية الفقيه مجازر أخرى بحق الأبرياء للحفاظ على سلطانه؟
نعم، سيبقى خطرُ المجازر قائمًا ما دام النظام يشعر بأن كلفة الدم أقل من كلفة التراجع، وما دامت العواصم الغربية تكتفي ببيانات “قلق” وتنازلاتٍ تُقرأ في طهران بوصفها ضوءًا أخضر.. في حين أن سجلّ النظام واضح من مجزرة 1988 بحق السجناء السياسيين، إلى “آبان الدامي” 2019 وصولًا إلى قمع احتجاجات 2022- 2023 الذي خلصت إليه بعثة تقصّي الحقائق الأممية بوصفه جرائمَ ضد الإنسانية.. وهذا ليس انحرافًا طارئًا بل عقيدة بقاء استمرت سنوات من الإفلات من العقاب والبازار الدبلوماسي المستمر.
اليوم، تتعزّز أدوات القمع بدلاً من أن تتقلّص: مراقبةٌ رقميةٌ أذكى، تجريمٌ أوسع للاحتجاج، وعقوباتٌ جسدية ونفسية موثّقة؛ وكل ذلك يجري بينما تُمدَّد الولاية الأممية لتقصّي الحقائق لأن الانتهاكات “ممنهجة وواسعة النطاق”.. وإن لم تتحوّل سياسة الغرب من المهادنة إلى الردع مع تصنيف الحرس الثوري، وفرض عقوبات موجِعة على أدوات القمع، وتسليط ضوءٍ دولي دائم على ملفات المحاسبة ؛ فإن السؤال لن يكون هل ترتكب طهران مجازر أخرى، بل متى وأين وبأي حجم.
باختصار: طالما أن الرسالة الموجهة إلى طهران هي “لا أحد يردعك”، سيظل الخطر قائماً، وسفك الدماء جريمة ممكنة.. وسياسة المهادنة الغربية لم تُفضِ إلى الاستقرار بل زادت النظام الإيراني شراسة وأفلتت يده من أي محاسبة، وإذا لم يُغيّر الغرب مساره فإن العالم قد يشهد مجازر أخرى بحق الشعب الإيراني على أيدي نظامٍ لم يتردّد في الماضي عن ارتكاب أفظع الجرائم، ولن يتردد غدًا إذا شعر بتهديد لوجوده.
الغرب اليوم أمام اختبار أخلاقي وتاريخي.. فهل سيواصل سياسة المهادنة التي أثبتت فشلها، ويداهن نظامًا مستعدًا لإغراق البلاد في دماء جديدة؟ أم سينحاز للشعب الإيراني ويضع حدًا لآلة القمع التي تحكم باسم الدين وتعيش على المجازر؟
الإجابة لن تحدد مستقبل إيران فحسب، بل صورة الغرب نفسه: هل هو نصير للقيم والحرية، أم شريك صامت في جرائم نظام يائس؟