حين تتحول سياسات التوسع إلى عبء على الداخل الإيراني

تدخلات نظام الملالي في دول الجوار-
صوت العراق – منى سالم الجبوري:
على مدى أكثر من أربعة عقود، راهنت السلطة في طهران على بناء نفوذ إقليمي واسع من خلال دعم جماعات وحلفاء خارج حدودها، باعتبار ذلك ضمانة لأمنها وبقائها. غير أن المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة أظهرت أن هذه الاستراتيجية لم تعد تحقق الأهداف التي رسمت لها، بل أخذت تتحول تدريجيا إلى مصدر استنزاف سياسي واقتصادي وأمني.
لقد تعرضت الشبكات الإقليمية التي اعتمدت عليها طهران لضغوط متزايدة، سواء بفعل التحولات الداخلية في عدد من دول المنطقة أو نتيجة التطورات العسكرية والسياسية التي أضعفت قدرتها على التأثير. ومع تراجع فعالية هذا النفوذ، وجدت القيادة الإيرانية نفسها أمام واقع أكثر تعقيدا، يتمثل في تقلص هامش المناورة الخارجية وازدياد عزلتها الإقليمية والدولية.
وفي الوقت نفسه، ينعكس هذا التراجع بصورة مباشرة على الداخل الإيراني، حيث تتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية بصورة غير مسبوقة. فالبلاد تعاني من ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وتزايد البطالة، فضلا عن أزمات الكهرباء والمياه التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين في مختلف المحافظات.
ولعل الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الأساسية، وفي مقدمتها الخبز، يمثل مؤشرا واضحا على عمق الأزمة الاقتصادية. فالخبز، الذي ظل لعقود رمزا للاستقرار المعيشي، أصبح اليوم عنوانا لمعاناة ملايين الإيرانيين، الأمر الذي يعكس اتساع الفجوة بين احتياجات المجتمع وأولويات السلطة.
ويذهب كثير من المراقبين إلى أن جذور هذه الأزمة لا ترتبط بالعقوبات وحدها، وإنما أيضا بخيارات اقتصادية وسياسية أدت إلى استنزاف الموارد الوطنية في مشاريع أمنية وعسكرية خارجية، على حساب الاستثمار في التنمية والخدمات وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
وفي المقابل، لم يعد الغضب الشعبي يقتصر على المطالب الاقتصادية، بل أخذ يتخذ أبعادا سياسية أوسع، مع استمرار الاحتجاجات العمالية، وتحركات المعلمين والمتقاعدين والطلاب، في مشهد يعكس تنامي الشعور بضرورة إحداث تغيير يعالج الاختلالات البنيوية التي تعاني منها الدولة.
وفي ظل هذه الظروف، تبدو السلطة أمام معادلة شديدة الصعوبة؛ فالتشدد الأمني قد يؤخر انفجار الأوضاع، لكنه لا يعالج أسبابها، فيما تتطلب الإصلاحات الاقتصادية موارد وإرادة سياسية يصعب توفيرهما في ظل الأزمات المتراكمة والصراعات داخل مراكز القرار.
إن التجارب التاريخية تشير إلى أن الأنظمة التي تفقد قدرتها على الاستجابة لمطالب مجتمعاتها، وتستنزف إمكاناتها في صراعات خارجية، تجد نفسها عاجلا أم آجلا أمام تحديات تهدد استقرارها. ومن هذا المنطلق، فإن تراجع النفوذ الإقليمي، مقرونا بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، يجعل مستقبل المشهد الإيراني مفتوحا على احتمالات متعددة، يبقى أبرزها تصاعد الضغوط الداخلية المطالبة بإصلاحات سياسية عميقة وتغيير ينسجم مع تطلعات المواطنين ويعيد توجيه موارد البلاد نحو التنمية والاستقرار، ويضع حدا للسياسات المتبعة التي قادت البلاد الى طريق مسدود، وهذا لا يمکن إلا بحدوث تغيير جذري في النظام القائم وهو ما يطمح إليه الشعب ويتطلع إليه.ويتطلع إليه.