الأخبارالمعارضة الإيرانية

تشييع أم تجارة سياسية؟

تشييع أم تجارة سياسية؟
لم تكن مراسم تشييع المرشد الأعلى للنظام الإيراني مجرد مناسبة

بحزاني – منى سالم الجبوري:
لم تكن مراسم تشييع المرشد الأعلى للنظام الإيراني مجرد مناسبة لتوديع شخصية سياسية ودينية، بل تحولت إلى عملية استثمار سياسي وإعلامي واسعة، سعى النظام من خلالها إلى تعويض ما يعانيه من تراجع داخلي وخارجي. فمنذ اللحظة الأولى، بدا واضحا أن الهدف لم يكن الاقتصار على أداء مراسم التأبين، وإنما توظيف الحدث لإظهار صورة نظام ما زال يمتلك زمام المبادرة ويحظى بتأييد شعبي واسع، رغم ما يواجهه من أزمات متلاحقة وتحديات غير مسبوقة.
وكان النظام الإيراني يراهن على أن تشكل هذه المناسبة فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، ورص صفوف أجنحته المتصارعة، واستعادة معنويات قواعده التي تأثرت بفعل الضغوط السياسية والاقتصادية وتصاعد حالة السخط الشعبي. غير أن المشهد جاء على خلاف ما خطط له منظموه، إذ سرعان ما ظهرت الخلافات إلى العلن، وتحولت مراسم التشييع إلى ساحة لتبادل الرسائل بين أجنحة السلطة. فقد علت هتافات ضد الرئيس مسعود بزشكيان ووصِف بأنه “مساوم”، كما تعرض وزير الخارجية عباس عراقجي لهتافات تتهمه بالتفريط، الأمر الذي كشف أن الأزمة داخل النظام أعمق من أن تخفيها مظاهر الحشد والاستعراض.
لكن الجانب الأكثر إثارة للجدل تمثل في نقل الجثمان إلى النجف وكربلاء، وهي خطوة حملت دلالات سياسية أكثر مما حملت مضامين دينية. فاختيار المدينتين لم يكن بعيدا عن محاولة استثمار مكانتهما الروحية لإضفاء شرعية معنوية على النظام، وإرسال رسائل إلى الداخل الإيراني وإلى القوى الحليفة في المنطقة. غير أن هذه الخطوة أثارت استياء واسعا لدى كثير من العراقيين الذين لا يزالون يستحضرون الدور الذي لعبته طهران في الشأن العراقي خلال العقود الماضية.
لقد عبرت انتفاضة تشرين عام 2019 بوضوح عن حجم الرفض الشعبي العراقي للنفوذ الإيراني، عندما رفع المحتجون شعارات تندد بسياسات طهران وأحرقوا صور خامنئي في عدد من المدن. ولم يكن ذلك تعبيرا عابرا عن غضب سياسي، بل انعكاسا لتراكم سنوات من الاحتقان نتيجة ما يعتبره كثير من العراقيين تدخلا مباشرا في القرار الوطني، ودعما لفصائل مسلحة ارتبط اسمها بأعمال عنف وانتهاكات، فضلا عن مساهمتها في تكريس الفساد وإضعاف مؤسسات الدولة.

ومن هنا، فإن تحويل مراسم التشييع إلى منصة للدعاية السياسية لا يغير من حقيقة الأزمة التي يعيشها النظام الإيراني، ولا ينجح في طمس حجم الانقسامات التي تعصف به. فالشرعية لا تصنع بالمواكب الضخمة ولا بالمراسم الاستعراضية، وإنما تبنى على رضا الشعوب واحترام إرادتها. وكلما حاول النظام توظيف الرموز الدينية لتحقيق مكاسب سياسية، ازداد انكشاف الفجوة بين الصورة التي يسعى إلى تسويقها والواقع الذي يواجهه في الداخل، وكذلك في الدول التي دفعت ثمنا باهظا نتيجة سياساته وتدخلاته.

زر الذهاب إلى الأعلى