الأخبارالمعارضة الإيرانية

إيران بين التفاوض والحرب: هل يقترب الانفجار الكبير؟

إيران بين التفاوض والحرب: هل يقترب الانفجار الكبير؟
أعمدة الدخان تتصاعد بعد ضربات على منشأة عسكرية في ضواحي أصفهان وسط إيران

أعمدة الدخان تتصاعد بعد ضربات على منشأة عسكرية في ضواحي أصفهان وسط إيران
ایلاف – حسن محمودي:

تضع أزمة إيران بين التفاوض والحرب النظام أمام ضغط خارجي متصاعد واحتقان داخلي يفتحان الباب على احتمالات الانفجار أو التحول السياسي.

لم تعد الأزمة بين واشنطن وطهران مجرد جولة جديدة من التفاوض التقليدي أو تبادل الرسائل العسكرية المحدودة، بل تحولت إلى حالة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تختلط فيها حسابات الحرب والاقتصاد والانتخابات والصراع على البقاء. فالوضع الحالي القائم على معادلة “لا حرب ولا سلم” يبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى، فيما تتزايد المؤشرات على أن المنطقة تقترب من نقطة تحول قد يصعب بعدها احتواء التصعيد.

الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تبدو حريصة على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه ترفض تقديم التنازلات التي تطالب بها طهران. فالإدارة الأميركية تواجه ضغوطًا داخلية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، كما تدرك أن أي انفجار كبير في الخليج سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بصورة قد تضرب الاقتصاد العالمي وتنعكس على الداخل الأميركي نفسه.

في المقابل، يرى النظام الإيراني أن التراجع الكامل أمام الضغوط الأميركية قد يكون بداية النهاية بالنسبة إليه. ولذلك، فإن القيادة الإيرانية تتعامل مع المواجهة الحالية باعتبارها معركة بقاء، لا مجرد خلاف سياسي أو نووي. ومن هنا يمكن فهم تمسك طهران بخيارات شديدة الخطورة، مثل التهديد بإغلاق مضيق هرمز أو توسيع دائرة المواجهة الإقليمية.

وخلال الأسابيع الأخيرة، ظهرت بوضوح معالم هذا الاشتباك المفتوح. الولايات المتحدة وإسرائيل بعثتا برسائل عسكرية تؤكد الاستعداد لجولة جديدة من الحرب إذا فشلت المفاوضات، بينما ردت طهران بتهديدات تتحدث عن إشعال المنطقة بأكملها. وفي الوقت ذاته، تواصل واشنطن سياسة الضغط الاقتصادي والحصار البحري، انطلاقًا من قناعة بأن الاقتصاد الإيراني لا يستطيع تحمل عزلة طويلة أو تعطيل الصادرات النفطية.

غير أن الأزمة الحقيقية بالنسبة إلى النظام الإيراني لا تكمن فقط في الخارج، بل في الداخل أيضًا. فإيران تعيش اليوم واحدة من أخطر أزماتها الاقتصادية والاجتماعية منذ عقود. التضخم يواصل الارتفاع، والعملة المحلية فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها، فيما تتفاقم أزمات المياه والكهرباء والطاقة والبطالة. كما أن الحرب الأخيرة وما رافقها من اضطرابات اقتصادية تركت آثارًا قاسية على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.

هذه الضغوط انعكست أيضًا على البنية السياسية للنظام. فالصراع بين الأجنحة الداخلية لم يعد خافيًا، بل بات يظهر حتى في الملفات التي كانت تعتبر سابقًا جزءًا من “الوحدة الاستراتيجية” للنظام. الجدل الذي دار أخيرًا حول عدد النواب المؤيدين لفريق التفاوض الإيراني، والتناقض في الأرقام المعلنة، يعكس وجود انقسامات حقيقية داخل المؤسسة الحاكمة نفسها.

وفي موازاة ذلك، تتزايد المخاوف الرسمية من احتمال عودة الاحتجاجات الشعبية. فالنظام يدرك أن المجتمع الإيراني يعيش حالة احتقان عميقة، وأن أي تدهور إضافي قد يشعل موجة جديدة من الانتفاضات، خصوصًا في ظل استمرار التدهور المعيشي واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع.

ومن هنا، فإن القراءة التي تعتبر عدم سقوط النظام بعد الضربات العسكرية الأخيرة دليلًا على قوته تبدو قراءة سطحية ومضللة. فإسقاط الأنظمة السياسية لا يتحقق بالضربات الجوية وحدها، مهما بلغت قوتها، بل يحتاج إلى معادلة داخلية أكثر تعقيدًا ترتبط بحركة المجتمع نفسه وبوجود قوة سياسية وتنظيمية قادرة على استثمار حالة الغضب الشعبي.

هذا ما يفسر أيضًا لماذا لم تؤدِ الضربات العسكرية، بالرغم من قسوتها، إلى انهيار النظام الإيراني. فطهران تعاملت مع الحرب بعقلية الدفاع الوجودي، واتخذت منذ وقت مبكر إجراءات استثنائية لمنع الانهيار الداخلي، من بينها توسيع القبضة الأمنية وتوزيع الصلاحيات الميدانية تحسبًا لأي تطورات مفاجئة.

لكن في المقابل، فإن بقاء النظام لا يعني أنه خرج أقوى من الأزمة. فإيران اليوم أضعف اقتصاديًا وسياسيًا وإقليميًا مما كانت عليه قبل سنوات. كما أن خسارة جزء مهم من نفوذها الإقليمي وتراجع أدواتها التقليدية في المنطقة جعلا هامش المناورة لديها أكثر ضيقًا.

وفي الداخل، لا تزال حالة الرفض الشعبي حاضرة بقوة، بالرغم من القمع والإعدامات والاعتقالات الواسعة. كما أن وجود معارضة منظمة وشبكات احتجاجية داخل البلاد يمنح المشهد الإيراني بعدًا مختلفًا عن كثير من الأزمات الإقليمية الأخرى. فالصراع في إيران لم يعد مجرد مواجهة بين دولة وخصوم خارجيين، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بمستقبل النظام نفسه وبالعلاقة المتوترة بين السلطة والمجتمع.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تبدو مفتوحة على كل الاحتمالات. فالتسوية الشاملة ما زالت بعيدة، والحرب الشاملة مكلفة للجميع، لكن استمرار الوضع الحالي يبدو بدوره صعبًا وغير قابل للاستدامة. وبين ضغوط الخارج وأزمات الداخل، تقف إيران اليوم عند واحدة من أخطر اللحظات في تاريخها الحديث، فيما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو انفجار جديد، أم نحو بداية تحول سياسي أعمق داخل إيران نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى