الأخبارالمعارضة الإيرانية

أمن النظام في مواجهة الغليان الداخلي.. واستراتيجية الردع القصوى في إيران

أمن النظام في مواجهة الغليان الداخلي.. واستراتيجية الردع القصوى في إيران
تشير التحولات الأخيرة في المشهد الإيراني الداخلي

صورة للاحتجاجات الشعبیة في ایران-
أمد للإعلام -د. سامي خاطر:
أمد/ تشير التحولات الأخيرة في المشهد الإيراني الداخلي إلى تنامي الاعتماد على أدوات السلطة القسرية كآلية أساسية لإدارة عملية البقاء على سدة الحكم، وتأتي التقارير الصادرة عن مراكز الرصد الدولية والمنظمات الحقوقية لتسلط الضوء على تسارع وتيرة الإجراءات العقابية والأمنية.. والتي هي ديناميكية يحللها خبراء الاقتصاد السياسي والاجتماع بوصفها انعكاساً لمعادلة حرجة تحاول طهران ضبطها لـ الموازنة بين الضغوط الإقليمية المتصاعدة ومخاطر الحركات الاحتجاجية الشعبية في الداخل.
هندسة الردع القانوني.. وتسريع الأحكام القضائية كأداة سياسية قمعية
تُظهِر القراءات التحليلية الصادرة عن الهيئات الدولية ومن بينها تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تحولاً ملحوظاً في نمط الأحكام الصادرة عن السلطة القضائية الإيرانية؛ فوفقاً للبيانات الموثقة من قِبل جهات مستقلة شهدت المرحلة الممتدة من الربع الأول للعام الجاري تصاعداً كبيراً في وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام ذات الطابع السياسي والأمني، وتعكس التعليمات الصادرة عن رئاسة السلطة القضائية بتسريع البت في قضايا المعارضين والموجهة للقضاة في ما تسمى بـ محاكم الثورة استراتيجية وقائية تسعى إلى رفع الكلفة السياسية والأمنية لأي نشاط احتجاجي مستقبلي، ويرى باحثون في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن توجيه التهم تحت عناوين تمس الأمن القومي أو التجسس يمثل محاولة لإعطاء غطاء تشريعي صارم لإجراءات تهدف بالأساس إلى ضبط الفضاء العام وقطع الطريق على أي تجمعات ميدانية قد تتطور إلى انتفاضة عارمة تحاكي السيناريوهات السابقة.
سيكولوجية الحصار المتبادل.. حبال المشانق وسياق الأزمات الإقليمية
في تفكيك للتقرير الذي نشرته صحيفة 20 مينوتوس الإسبانية يظهر بوضوح كيف تتقاطع السياسة الخارجية الإيرانية مع تكتيكات الضبط الداخلي.. فالبيانات المشتركة المعتمدة على تقارير ميدانية مستقلة، والتي تشير إلى وجود مئات السجناء في قوائم الانتظار الخاصة بالعقوبات القصوى (من بينهم عشرات النساء) تؤكد أن صانع القرار في طهران ينظر إلى الاستقرار الداخلي باعتباره الجبهة الأكثر حرجاً، وتكشف التحليلات المقارنة لـ منظمة العفو الدولية أن بلوغ معدلات التنفيذ مستويات قياسية غير مسبوقة إقليمياً ودولياً يتزامن طردياً مع فترات التصعيد العسكري أو الدبلوماسي مع القوى الغربية؛ هذا الترابط يوضح أن النظام يتبع “كتيباً أمنياً” يعتمد على توجيه رسائل حاسمة للمجتمع في الداخل بأن التوترات الخارجية لن تسمح بإيجاد هوامش للمناورة أو التراخي الأمني بل على العكس تُستغل لفرض نموذج رقابي مشدد يتضمن نشر القوات بانتظام، وتشديد الرقابة الرقمية والعزل الاتصالي الممنهج عبر تقييد شبكات الإنترنت.
بيئة الاحتجاز والضبط.. ما وراء التدابير الإجرائية
لا تقتصر المقاربة الأمنية الحالية على المنظور العقابي المباشر بل تمتد لتشمل إدارة المؤسسات العقابية كمراكز ضبط بالغة التعقيد.. وتشير التقارير الصادرة عن وكالة هرانا لأنباء حقوق الإنسان والناشطين المستقلين في الداخل إلى تدهور ملحوظ في بيئة الاحتجاز داخل المنشآت الكبرى مثل سجن طهران الكبرى (فشافويه).
إن تفشي الأوبئة الجلدية والصحية وغياب الرعاية الطبية الكافية داخل منشآت تضم آلاف المعتقلين ليُقرأ في سياق التحليل الاستراتيجي كأحد التداعيات الهيكلية للأزمة الاقتصادية والتمويلية التي تضرب مؤسسات الدولة جراء العقوبات، وفي الوقت نفسه يمثل هذا الوضع أداة غير مباشرة للضغط على مجتمع السجناء السياسيين مما يقلل من قدرة هذه القواعد على التنظيم والاتصال، ويحول دون تحول السجون إلى بؤر إلهام للحركات الاحتجاجية في الخارج.
المآلات السياسية والاقتصادية لمعادلة الدم والردع
بناءً على المعطيات الميدانية يمكن استشراف النتائج والتداعيات الاستراتيجية لهذه السياسات على النحو التالي:
على الصعيد الاقتصادي: يسهم الإصرار على المعالجات الأمنية الصارمة في تعميق عزلة إيران الدولية مما يقلص من فرص جذب الاستثمارات الأجنبية أو تخفيف العقوبات، ويدفع بالاقتصاد نحو مزيد من الانكماش والاعتماد على شبكات التهريب والأسواق الموازية.
على الصعيد الاجتماعي: تولّد الكلفة البشرية العالية الناتجة عن عنف الأجهزة الأمنية (والتي وثقتها المنظمات المستقلة بآلاف الضحايا) حالة من “الاحتقان المكبوت” وفجوة ثقة بنيوية بين الأجيال الشابة ومنظومة الحكم مما يجعل الاستقرار الحالي استقراراً هشاً وقابلاً للانفجار عند أي صدمة اقتصادية أو سياسية جديدة.
على الصعيد الجيوسياسي: تضع هذه المعدلات المرتفعة من التجاوزات الحقوقية شركاء طهران المحتملين في العواصم الغربية أمام حرج سياسي وأخلاقي يعوق إمكانية التوصل إلى اتفاقيات دبلوماسية مستدامة الأمر الذي يُبقي الملف الإيراني محصوراً في دائرة إدارة الأزمات بدلاً من تسويتها الشاملة.
إن لجوء مراكز القرار داخل أروقة نظام الملالي إلى تفعيل أدوات الردع القصوى يثبت نجاحه على المدى القصير في فرض السكينة العامة بقوة القانون والعنف؛ لكنه في المقابل يستنزف من الرصيد الشرعي والمجتمعي للدولة، ويحول أجهزة القمع إلى ضامن وحيد لبقاء الهيكل السياسي في مواجهة مجتمع يغلي تحت السطح.

زر الذهاب إلى الأعلى