حين تصبح المشانق لغة النظام الأخيرة

بحزاني – منى سالم الجبوري:
ليس من قبيل المصادفة أن تتسارع وتيرة الإعدامات في إيران كلما دخل النظام مرحلة أكثر تعقيدا من أزماته الداخلية. فالتجارب المتراكمة منذ قيام الجمهورية الإسلامية تكشف أن السلطة تلجأ إلى التشدد الأمني كلما تراجعت قدرتها على احتواء الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، فإن المشهد الحالي لا يعكس قوة النظام بقدر ما يكشف حجم القلق الذي يسيطر على دوائر صنع القرار فيه.
فالإعدامات لم تعد مجرد أحكام تصدرها المحاكم، وإنما تحولت إلى رسالة سياسية تستهدف المجتمع بأسره، هدفها ترسيخ الخوف ومنع أي بيئة قد تسمح بعودة الاحتجاجات. غير أن هذه الرسالة تبدو أقل تأثيرا مما كانت عليه في السابق، لأن الإيرانيين باتوا ينظرون إلى التصعيد الأمني بوصفه دليلا على عجز السلطة عن تقديم حلول حقيقية للأزمات المتفاقمة، وفي مقدمتها الانهيار الاقتصادي، واتساع رقعة الفقر، وتصاعد العزلة الدولية.
ولذلك، لم يكن مستغربا أن تترافق موجة الإعدامات مع تصاعد الانتقادات الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية، التي ما فتئت تحذر من تراجع ضمانات المحاكمة العادلة، ومن توظيف القضاء في تصفية الخصومات السياسية. كما أن الضغوط التي تتحدث عنها تقارير حقوقية بحق عائلات الضحايا والمعتقلين تعكس إدراك النظام أن المعركة لم تعد أمنية فقط، بل أصبحت أيضا معركة على الذاكرة والرأي العام، إذ يخشى أن تتحول أسماء الضحايا إلى رموز وطنية يصعب محوها.
وفي المقابل، لا يزال المجتمع الدولي يبعث برسائل متناقضة. فمن جهة، تتكرر بيانات الإدانة بشأن أوضاع حقوق الإنسان، ومن جهة أخرى، تستمر الأولوية الممنوحة للملفات السياسية والأمنية، الأمر الذي يفسره كثيرون داخل إيران بأنه غياب لإرادة دولية حقيقية لوقف الانتهاكات. وقد أتاح هذا الواقع للنظام هامشا لمواصلة سياساته، وإن كان ذلك لم ينجح في استعادة الثقة أو تخفيف حدة الاحتقان الداخلي.
وفي خضم هذه التطورات، تؤكد منظمة مجاهدي خلق، أن تصاعد الإعدامات يعكس خوف النظام من تنامي المقاومة المنظمة، لا سيما مع استمرار نشاط وحدات المقاومة داخل البلاد. وترى أن استمرار هذه الأنشطة، رغم القبضة الأمنية، يدل على أن أدوات الردع التقليدية فقدت كثيرا من فعاليتها، وأن الصراع انتقل من مواجهة احتجاجات متفرقة إلى مواجهة أزمة سياسية واجتماعية أعمق يصعب احتواؤها بالقوة وحدها.
إن التاريخ السياسي يعلمنا أن الأنظمة الواثقة من شرعيتها لا تجعل المشانق عنوانا لمرحلتها، ولا تحول القضاء إلى وسيلة لإدارة الصراع مع المجتمع. أما حين يصبح الخوف هو الركيزة الأساسية للحكم، فإن ذلك يكشف أن السلطة دخلت مرحلة الدفاع عن بقائها أكثر من انشغالها بإدارة الدولة. ومن هنا، فإن الإعدامات، مهما اشتدت، قد تمنح النظام وقتا إضافيا، لكنها لن توفر له مخرجا من أزمة تتجاوز بعدها الأمني إلى أزمة شرعية وثقة ومستقبل، وهي أزمة يرى كثير من المراقبين أنها مرشحة لمزيد من التفاقم كلما استمر الاعتماد على القوة بديلا عن المعالجة السياسية.