الأخبارالمعارضة الإيرانية

نزيف الثروة البشرية في ظل النظام الحاكم في إيران..

المآلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع استمرار حكم نظام الملالي في إيران...

أمد للإعلام -د. سامي خاطر:
أمد/ تشكل ظاهرة هجرة الكوادر المهنية المتخصصة إحدى أدق المؤشرات الدالة على مستوى الاستقرار البنيوي للدول وقدرة نظمها السياسية على إدارة مواردها القومية، وفي حالة إيران لم يعد خروج الكفاءات يمثل مجرد حراك ديموغرافي تقليدي يسعى وراء فرص معيشية أفضل بل تحول إلى أزمة حادة ومستمرة تستنزف عصب التنمية المستدامة.
إن دراسة هذه الظاهرة انطلاقاً من التحولات الراهنة في بيئات العمل الرعائي والهندسي والتكنولوجي، وتفكيك عوامل الجذب والدفع الحاكمة لها تتيح فحص الآثار المتشابكة التي تمس الأمن القومي والاقتصادي الإيراني بعيداً عن السجالات السياسية المباشرة.
أوضاع القطاع الصحي.. من الاكتفاء إلى التعرية والفقر المهني
انتقلت أزمة هجرة العقول في إيران خلال السنوات الأخيرة من كليات الهندسة والعلوم الأساسية لتضرب بعمق قطاع الرعاية الصحية، وهو قطاع حيوي يرتبط ارتباطاً عضوياً بالأمن الاجتماعي واستقرار الدولة، وتشير إحصاءات المجلس الطبي الإيراني إلى أن آلاف الأطباء والممرضين يتقدمون سنوياً بطلبات للحصول على وثائق حسن السيرة والسلوك بهدف تسيير إجراءات الهجرة؛ حيث تؤكد تصريحات مسؤولي النقابات الطبية الرسمية في طهران رصد عجز متنامٍ في شغل مقاعد الإقامة للأطباء المقيمين في تخصصات جراحية حرجة مثل جراحة قلب الأطفال وجراحة المخ والأعصاب.
هذا النقص الكبير لا تقتصر تبعاته على الداخل بل يمتد ليعيد صياغة المؤشرات الصحية للبلاد حيث باتت مستشفيات حكومية رئيسية تواجه تمديداً في قوائم الانتظار وضغوطاً تشغيلية فائقة.. وإن استمرار هذا المنحى التصاعدي الذي ترصده هيئات دولية معنية بالصحة العامة ليهدد بتقويض المكتسبات الطبية التي حققتها البلاد على مدار العقود الماضية، ويضع السياسات العامة أمام خيار قسري مكلف يتمثل في احتمالية العودة إلى استيراد العمالة الطبية الوافدة لإدارة المنظومة العلاجية.
الأثر الاقتصادي الكمي.. استنزاف الرأسمال السيادي وعزلة الداخل
تتجاوز كلفة هجرة النخب الأبعاد الاجتماعية لتتحول إلى خسائر مالية تراكمية ضخمة؛ إذ تفيد تقارير اقتصادية مستقلة وتقديرات مبنية على مؤشرات منظمة العمل الدولية ووثائق الأمم المتحدة بأن الخروج السنوي الكثيف للخبراء والخريجين والذي يقارب مئة وثمانين ألف كفاءة سنوياً — يُكلف الاقتصاد الإيراني خسائر تقديرية تقارب ستين مليار دولار سنوياً.. وتمثل هذه القيمة هدراً كاملاً للاستثمارات السيادية التي ضختها الدولة في قطاع التعليم والتدريب لتتحول هذه الكفاءات إلى قوى منتجة تقدم قيمة مضافة مجانية لصالح أسواق ومستشفيات في دول المقصد بـ أوروبا الغربية وخاصة ألمانيا أو في المراكز الاقتصادية الصاعدة بـ منطقة الخليج العربي.. وبالتوازي مع هذا النزيف الخارجي تبرز ظاهرة “العزلة الداخلية” للخبراء الذين لم يغادروا بعد حيث تساهم البيروقراطية المتصلبة وغياب المعايير التنافسية القائمة على الكفاءة في تجميد الطاقات البشرية مما يعطل محركات الابتكار داخل المؤسسات الرسمية ويخلق حالة من شلل الانتاجية.
الهجرة الرقمية وصناعة البرمجيات.. الرحيل الصامت عبر الألياف الضوئية!!!
لم تعد مغادرة الوطن تتطلب بالضرورة عبور الحدود الجغرافية بشكل مادي إذ أنتجت البنية التكنولوجية الحديثة نمطاً مستحدثاً يُعرف بـ”الهجرة الافتراضية” أو العمل عن بُعد لصالح شركات أجنبية، ويمارس كبار المبرمجين ومطوري حلول الذكاء الاصطناعي في إيران نشاطهم المهني لصالح مؤسسات تكنولوجية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وكندا، وأوروبا دون مغادرة منازلهم مستفيدين من فوارق العملة التي توفر لهم عوائد بالدولار في مواجهة انهيار القوة الشرائية المحلية.
بيد أن هذا النمط يواجه اختناقات بنيوية بفعل السياسات التنظيمية الصارمة؛ إذ يوضح مرصد الهجرة الإيراني في تقاريره المسحية أن مستويات الرغبة في الهجرة الفعلية لدى طلاب جامعات النخبة الهندسية تجاوزت السبعين بالمئة، وتأتي سياسات تقييد التدفق الرقمي وفلترة الإنترنت المستمرة وصعوبة الوصول إلى السحب الحوسبية العالمية كعوامل حاسمة تقطع شريان التواصل الفني للمهندسين مع الأسواق الدولية مما يجعل الهجرة المادية خطوة حتمية لاستمرار مسيرتهم المهنية.
تشريح ديناميكيات الجذب والدفع والتأثيرات الهيكلية
تخضع حركة الكوادر الإيرانية لمعادلة دقيقة من عوامل الدفع الداخلي وعوامل الجذب الخارجي، وتمثل الضغوط التضخمية الهيكلية وارتفاع تكلفة الأصول الأساسية مثل السكن الذي بات يتطلب عقوداً من العمل لامتلاكه أبرز قوى الطرد الداخلي، وفي المقابل تتكامل هذه العوامل مع سياسات مرنة تتبناها دول الجذب المستقطبة للمهارات حيث تقدم دول غربية تسهيلات تشريعية متسارعة لاندماج العمالة المتخصصة بينما توفر الاقتصادات الإقليمية الناشئة بيئات عمل معفاة من الضرائب وبنى تحتية تكنولوجية متطورة.
تؤدي هذه المعادلة إلى إفراغ مستمر للبنية التعليمية والصناعية في إيران حيث تخسر الجامعات أبرز عقولها الأكاديمية مما ينعكس سلباً على جودة التعليم العالي ومصداقيته الدولية.. كما تشهد القطاعات الإنتاجية تراجعاً في وتيرة التحديث التكنولوجي مما يعوق قدرة الدولة على المنافسة الاقتصادية الإقليمية.
المآلات الإستراتيجية والمنظور المستقبلي
إن التمعن في المشهد الراهن يشير إلى أن مراكز صناعة القرار في طهران تواجه تحدياً غير مسبوق يتعلق بجوهر استدامة الدولة.. فالأجيال الشابة من المهنيين تعيش في بيئة ترقب حيث تمثل الشهادات المترجمة وجوازات السفر الجاهزة أدوات للعبور نحو فضاءات أرحب، ومن المنظور الإستراتيجي فإن أي نظام سياسي يعجز عن توليد الأفق الاقتصادي والاجتماعي المستقر لأبنائه يواجه تآكلاً تدريجياً في شرعيته الأدائية.. وإذا لم يتم تبني إصلاحات هيكلية عميقة تُعيد الاعتبار للرأسمال البشري وتتيح فضاءات من التنفس المجتمعي والمالي فإن المعادلة الجيوسياسية الإيرانية ستعاني من خلل داخلي دائم لتتحول البيئة المحلية إلى جغرافيا مستنزفة من عقولها الأمر الذي سيضعف قدرة الدولة على المناورة في ملفاتها الإقليمية والدولية تحت مظلة الإدارة الحالية لـ ولاية الفقيه المطلقة.

زر الذهاب إلى الأعلى