سذاجة المحاولة.. السافاك بتاريخه الفاشي بديلا لنظام الملالي..

تحركات تيار “البهلوية” المخلوعة في المانیا-
أمد للإعلام -عبدالرزاق الزرزور:
أمد/ محاولات تلميع “السافاك” ومخاطر إعادة إنتاج الاستبداد الأمني
أعادت التحولات السياسية الأخيرة في المشهد الإيراني المعارض بالخارج إنتاج نقاشات عميقة حول طبيعة البدائل المطروحة للنظام القائم في طهران.. ولا سيما بعد التقارير الدولية والتحليلات الاستراتيجية التي سلطت الضوء على تحركات تيار “البهلوية” المخلوعة إشارة إلى زمرة بقايا فلول البهلوية المحيطة بـ ابن الشاه.. وفي هذا السياق جاء المقال التحليلي للمقالات السياسية الدولية، ومنها ما نشره موقع انترناشيونال بوليسي دايجست للكاتب والسياسي ستروان ستيفنسون ليفكك أبعاد ظاهرة متصاعدة تتمثل في محاولات إعادة تأهيل أو “تلميع” إرث جهاز الاستخبارات والأمن البهلوي السابق المعروف اختصاراً بـ السافاك.
إن قراءة هذه التحركات لا تقف عند حدود الحنين السياسي.. بل تتجاوزها لتطرح تساؤلات جوهرية حول فلسفة الحكم البديل ومخاطر إعادة تدوير البنى الاستبدادية، ومستقبل التحول الديمقراطي في إيران في ظل بيئة إقليمية ودولية معقدة.
جذور الأزمة.. الدلالة التاريخية لإرث السافاك
تأسس جهاز السافاك عام 1957 كأداة أمنية مركزية قمعية لحماية النظام البهلوي آنذاك.. لكنه تحول بمرور العقود إلى سلطة مطلقة تغلغلت في كافة مفاصل الحياة العامة والخاصة للإيرانيين بدءاً من الجامعات والنقابات العمالية وصولاً إلى الأحزاب والتجمعات العائلية، وتُشير القراءات الاستراتيجية للتاريخ الإيراني الحديث إلى أن المقاربة الأمنية العنيفة التي اعتمدها الجهاز والتي وثقتها منظمة العفو الدولية عبر تقارير مفصلة شملت وسائل تعذيب ممنهجة كالصعق بالكهرباء والانتهاكات الجسدية والنفسية لم تكن مجرد أداة لضبط الاستقرار المؤقت بل كانت الصاعق الرئيسي الذي فجر ثورة عام 1979.. من هنا فإن اختزال الثورة الإيرانية في بعد عقائدي أو ديني بحت يُعد قصوراً في التحليل البنيوي؛ إذ إن الانفجار الشعبي كان نتاجاً مباشراً لانسداد قنوات التعبير السلمي وتغوّل الدولة الأمنية، ومصادرة الحقوق المدنية الأساسية لكافة أطياف المجتمع الإيراني بما في ذلك القوى اليسارية، والطلابية وحركات المعارضة المنظمة مثل منظمة مجاهدي خلق الإيرانية.
الذاكرة الانتقائية وحملات التسويق السياسي في الغرب
تشهد العواصم الأوروبية وخصوصاً في ألمانيا نمطاً جديداً من التعبئة السياسية لتيار “البهلوية” يتجاوز المطالبة بالحريات إلى رفع شعارات وصور تمجد قادة السافاك السابقين وفي مقدمتهم برويز ثابتي رئيس القسم الثالث المسؤول عن الأمن الداخلي ومكافحة المعارضة.. ويرى المحللون الاستراتيجيون أن هذا الظهور لا يمثل مجرد تعبير عن رأي بل هو محاولة ممنهجة لغسيل السجل الحقوقي للحقبة السابقة واستغلال حالة الاستياء العارم من السياسات الحالية لنظام الولي الفقيه لتمرير نموذج حكم سلطوي بديل، وتكتسب هذه القضية أبعاداً قانونية ودولية بالغة الأهمية في الوقت الراهن حيث يواجه ثابتي ملاحقات قضائية ودعاوى تعويض أمام المحاكم الأمريكية تُقدر بنحو 225 مليون دولار رفعتها مجموعات من الضحايا والسجناء السياسيين السابقين مما يضع القوى الغربية أمام اختبار حقيقي يوازن بين مبادئ حقوق الإنسان وبين البراغماتية السياسية في التعامل مع أطراف المعارضة.
العقلية الأمنية المشتركة ومخاطر إعادة تدوير الاستبداد
تكمن الإشكالية الهيكلية الكبرى في طروحات ابن الشاه في تجنب الإدانة الصريحة لانتهاكات الحقبتين الماضيتين سواء حقبة أبيه أو حقبة الملالي.. ولم يكن ذلك فحسب؛ لا بل والاعتراف العلني أيضا بالحفاظ على قنوات اتصال وتنسيق مع قيادات داخل حرس الملالي والأجهزة الأمنية الحالية لنظام الملالي تحت ذريعة “تأمين الانتقال السلس وضمان الاستقرار المستقبلي”.. ومن منظور التحليل الاستراتيجي يكشف هذا التوجه عن تغليب العقلية الأمنية النخبوية على حساب مبادئ التغيير الديمقراطي الجذري.
إن السعي للتحالف مع بقايا الهياكل العسكرية القمعية القائمة يعكس رغبة في استبدال دكتاتورية دينية مُحاصرة داخلياً وخارجياً بدكتاتورية عسكرية أو أمنية مغلفة بوعود حداثية.. وهو ما يضع المواطن الإيراني أمام معادلة صفرية تفرض عليه الاختيار بين مستبدين متنافسين عوضاً عن تقديم مشروع وطني جامع يعتمد التعددية وصندوق الاقتراع.
النتائج الجيوسياسية وآفاق التحول نحو الجمهورية الديمقراطية
إن تلميع جهاز السافاك الدموي ومحاولات إحياء الأجهزة السرية الفاشية في أوروبا ما هي إلا مساراتٌ تؤكد أن تمجيد الجلادين يشكل تهديداً مباشراً لمستقبل السلم الأهلي الإيراني.. فالشعب الإيراني الذي دفع أثماناً باهظة في مواجهة نمطين من الاستبداد (البهلوي والديني) يتمتع بوعي سياسي يرفض العودة إلى الوراء أو القبول بإنتاج فلسفة الحكم ذاتها بأسماء جديدة الأمر الذي يؤكد سذاجة المحاولة والإقدام على دعم مؤسسات قمعية سابقة ذات تاريخ دموي.
أما من حيث الواقعية وشرعية المطالب والتوجه.. تشير المعطيات الراهنة إلى أن المخرج الوحيد للأزمة الإيرانية والضامن الحقيقي للاستقرار الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط يكمن في دعم تطلعات الشعب نحو تأسيس جمهورية ديمقراطية حقيقية.. وإن هذا البديل الاستراتيجي يجب أن يقوم على ركائز واضحة كـ الفصل التام بين الدين والسُلطة، والمساءلة القانونية والمحاسبة عن جرائم الماضي والحاضر، وسيادة القانون، والاعتراف بحقوق القوميات والأقليات ضمن إطار وطني موحد.. وبدون هذه الأسس ستبقى تحركات المعارضة في الخارج مجرد صراعات فوقية تفتقر إلى الشرعية الشعبية في الداخل، وتعجز عن تقديم نموذج ملهم قادر على تفكيك بنية النظام الحالي وبناء دولة المؤسسات الحديثة.