الأخبارالمعارضة الإيرانية

بدائل التغيير في إيران: قراءة في مقاربة البرلمان الأوروبي بين المساءلة الدولية ورفض الإرث البهلوي

بدائل التغيير في إيران: قراءة في مقاربة البرلمان الأوروبي بين المساءلة الدولية ورفض الإرث البهلوي
مظاهرات انصار مجاهدي خلق بشعار لا للشاه لا للشیخ في بروکسل

مظاهرات انصار مجاهدي خلق بشعار لا للشاه لا للشیخ في بروکسل-
أمد للإعلام -د. مصطفى عبدالقادر:
أمد/ تتشابك التفاعلات الإقليمية والدولية المحيطة بالحالة الإيرانية لتنتج مسارات جديدة في التعاطي الغربي مع الملف الداخلي لطهران، بعيداً عن حصر الأزمة في أبعادها النووية والإقليمية فحسب. ففي الجلسة التي عقدها البرلمان الأوروبي في مقره بمدينة ستراسبورغ في العشرين من مايو 2026، تبلور نقاش سياسي وقانوني مكثف انتهى بتبني قرار يدين اتساع رقعة الأحكام الجنائية القصوى والقمع الممنهج داخل إيران. غير أن الأهمية الاستراتيجية لهذه الجلسة لا تكمن فقط في تجديد الإدانة، بل في صياغتها لمحددات واضحة لمستقبل البديل السياسي في إيران، عبر الجمع بين مسارين: الدعوة لإنشاء آليات تقاضٍ دولية لملاحقة مسؤولي النظام الحالي، والرفض القاطع لطروحات إحياء النظام البهلوي، مما يمثل تحولاً جوهرياً في هندسة الرؤية الأوروبية لعملية التحول الديمقراطي في البلاد.
البعد القانوني الدولي: من الإدانة السياسية إلى المحاسبة القضائية
يمثل تحول الخطاب الأوروبي نحو المطالبة بـ تأسيس محكمة خاصة تابعة للأمم المتحدة نقراً متقدماً في جدار الحصانة السياسية التي تمتعت بها طهران لفترات طويلة نتيجة مقتضيات البراغماتية الدولية. وفي هذا السياق، تكتسب أطروحات أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، مثل بيتر أوشتريفيشيوس، أبعاداً إجرائية تطالب بتوصيف الانتهاكات الداخلية كـ جرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.
إن التركيز على قضايا عينية، مثل إعدام السجين السياسي وحيد بني عامريان مؤخراً، يعكس محاولة أوروبية لتوثيق الملفات الحقوقية لغرض بناء قضايا جنائية مكتملة الأركان. هذه المقاربة القانونية تسعى إلى خلق توازن مع الضغوط السياسية الخارجية؛ إذ يرى المخططون الاستراتيجيون في بروكسل أن التغاضي عن الملف الحقوقي الداخلي بحجة الانشغال بالملفات الساخنة وحروب الشرق الأوسط يضعف من صدقية المنظومة القيمية الأوروبية، ويمنح طهران هامش مناورة أوسع داخلياً.
التسييس الإقليمي وأرقام العقوبات: قراءة في ديناميكيات القمع والدعم
تكشف البيانات الإحصائية التي طرحت داخل أروقة البرلمان الأوروبي، لا سيما من قِبل النائب نيكولا باسكال دي لا بارتي، عن طفرة غير مسبوقة في معدلات تنفيذ أحكام الإعدام، والتي ناهزت 2150 عملية إعدام خلال عام 2025. ومن الناحية التحليلية، فإن استهداف عناصر ينتمون إلى تنظيمات معارضة ممتدة تاريخياً مثل منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، يبرهن على أن النظام الحاكم ما زال يرى في التنظيمات المنظمة التهديد الأبرز لتماسكه الهيكلي.
وتسلط الحالات المحددة التي تواجه خطراً وشيكاً، مثل الطالب إحسان فريدي، وبطل الملاكمة محمد جواد وفائي ثاني، والمهندسة زهرا طبري، الضوء على تنوع الروافد الاجتماعية للمقاومة الداخلية (الطلابية، الرياضية، والتكنوقراطية). ومن جانب آخر، يطرح النائب منير ساتوري بعداً جيوسياسياً بالغ الأهمية؛ وهو استغلال طهران لـ الفوضى الإقليمية كحائط صد يغطي على إجراءاتها الاستثنائية في الداخل، مما يعني أن التصعيد الإقليمي لطهران يخدم دالة الاستقرار الداخلي للنظام عبر عسكرة المجتمع وتبرير تصفية المعارضة.
هندسة البديل السياسي: سقوط ورقة “الشاه” والبحث عن التعددية
لعل النتيجة الأكثر حسماً وخطورة في مداولات البرلمان الأوروبي الأخير هي الصياغة الواضحة للموقف من شكل النظام القادم في إيران. ففي الكلمة التي ألقاها أندرياس شيدر، عضو لجنة الشؤون الخارجية، وُضع حد جازم للرهانات التي تسوق لفكرة عودة الإرث البهلوي كوسيلة للاستقرار. إن وصف محاولات إحياء ديكتاتورية الشاه بأنها خيار غير صحيح يمثل إدراكاً من مراكز الفكر وصنع القرار الأوروبي بأن الشعب الإيراني الذي ثار في عام 1979 لم يكن يرفض الشخوص بقدر ما كان يرفض بنية الاستبداد المركزية.
بناءً على ذلك، يطرح البرلمان الأوروبي رؤية استراتيجية بديلة قائمة على استحقاقات نموذج الدولة الحديثة:
التعددية العرقية والدينية: الاعتراف بالفسيفساء الإيرانية (الأكراد، البلوش، العرب، الآذريين) كشرط أساسي لمنع تفكك الدولة مستقبلاً.
الجندرة وحقوق الأقليات: إدماج المرأة والأقليات في مجالات النمو السياسي والاقتصادي، كركيزة للاستقرار المستدام بدلاً من فرض هوية أحادية قسرية.
خيارات الردع الأوروبي وآفاق المشهد الإيراني
وفي المحصلة، تبرز أطروحات نواب مثل داينيوس زاليماس، نائب رئيس لجنة المساواة بين الجنسين، لتضع آليات عملية لإنهاء حالة الإفلات من العقاب عبر العقوبات الذكية الموجهة. هذه الآلية تستهدف بشكل فردي ومباشر القضاة ومسؤولي السجون وكل من يوقع على أحكام التعذيب أو الإعدام، بغية إحداث شرخ في الولاء المؤسسي داخل أجهزة الدولة الأمنية.
إن القراءة التحليلية للموقف الأوروبي تظهر بوضوح أن الغرب بات مقتنعاً بأن حيوية المقاومة الداخلية هي المتغير المستقل الذي سيحدد مستقبل إيران، وأن دور المجتمع الدولي يجب أن يقتصر على توفير الحماية القانونية والسياسية لهذا الحراك دون فرض وصاية أو إعادة إنتاج نماذج حكم سقطت تاريخياً. إن نجاح هذه الاستراتيجية الأوروبية يبقى رهناً بالقدرة على تحويل هذه التوصيات البرلمانية إلى سياسات تنفيذية ملزمة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وسط بيئة دولية بالغة التعقيد والتشابك.

زر الذهاب إلى الأعلى