الأخبارالمعارضة الإيرانية

إيران: ثنائية الاستبداد ورهانات الشارع

إيران: ثنائية الاستبداد ورهانات الشارع
تقف الساحة السياسية الإيرانية في منتصف أكتوبر 2026 أمام تحول بنيوي

الاحتجاجات الشعبیة داخل ایران-
المركز الإعلامي السوري – د. سامي خاطرآكاديمي وأستاذ جامعي:
تقف الساحة السياسية الإيرانية في منتصف أكتوبر 2026 أمام تحول بنيوي يتجاوز في دلالاته التظاهر التقليدي؛ حيث تتصاعد حركة رفيعة المستوى تشكل في جوهرها قطيعة مزدوجة مع إرث النظام البهلوي السابق وممارسات السلطة الحاكمة الحالية. وتكشف التطورات الميدانية الأخيرة في مدينة زاهدان، مركز محافظة سيستان وبلوشستان ذات الحساسية الجيوسياسية والعرقية، عن ملامح إستراتيجية اجتماعية تتجاوز المطالب المعيشية المباشرة نحو صياغة مبادئ الحكامة والشرعية السياسية، مما يعيد رسم خارطة البدائل المطروحة لمستقبل البلاد.
الديناميات الميدانية في سيستان وبلوشستان: تجاوز الحصار الأمني
تكتسب التحركات الاحتجاجية الموثقة في 16 أكتوبر 2026 في زاهدان أهمية استثنائية بالنظر إلى الكثافة الأمنية والعسكرية المضروبة على المناطق الحدودية. وقد تجلت هذه الأنشطة في حملات ملصقات ولافتات منظمة تحمل دلالات سياسية واضحة، متجاوزة الضغوط الأمنية لتوجه رسائل مباشرة للداخل وللرأي العام الدولي.
إن قدرة المجموعات المحلية على التحرك المنظم ضمن بيئة ذات حصانة أمنية مشددة تعكس تطوراً في أدوات النضال الميداني والتنسيق الشبكي. وتظهر التقديرات الميدانية المستقلة لمراكز رصد حقوق الإنسان أن استمرارية الحراك في المكونات العرقية والمناطق المهمشة كبلوشستان تضع مؤسسات صنع القرار في طهران أمام تحدٍّ مستمر يمتص موارد التعبئة الأمنية، ويلغي فاعلية نهج الاحتواء التقليدي القائم على الضغط العسكري وحده.
معادلة الاستقطاب السياسي: رفض النموذج الوراثي والسلطوي
تتجلى القراءة التحليلية للشعارات المرفوعة، وفي مقدمتها “لا للشاه ولا لنظام الملالي”، في رفض مبدئي وبنيوي لكافة أشكال الحكم غير القائمة على التفويض الشعبي المباشر. وتأتي المقتطفات المستشهد بها من تصريحات قيادات المقاومة الإيرانية، مثل مسعود رجوي ومريم رجوي، لتؤكد مساراً استراتيجياً يرفض مبدأ التوريث السياسي وإعادة إنتاج السلطة الفردية.
وفقاً لمحللين سياسيين ومراكز تفكير دولية، فإن محاولات إعادة إحياء مشروع الحكم البهلوي الوراثي المتمثل في رضا بهلوي يراها الشارع الثائر في زاهدان، وكذلك قطاعات واسعة من القوى المدنية، آلية لتشتيت البديل الديمقراطي، وبمثابة وجه آخر يتقاطع مع المصالح الضيقة لشبكات النفوذ المعقدة. فالتاريخ السياسي المعاصر لإيران يوضح أن اختزال عملية التغيير في شخصيات وراثية يجرّد الحركة الوطنية من جوهرها الديمقراطي، ويوفر غطاءً ثانوياً لخدمة بقاء السلطة الثيوقراطية القائمة عبر تقديم بديل افتراضي يستدعي الهواجس التاريخية لدى المكونات الاجتماعية المتنوعة.
المواقف الأوروبية والتحولات في الرأي العام الدولي
لم تعد السجالات الإيرانية حبيسة النطاق المحلي، بل امتدت لتحدث صداها في المؤسسات النيابية والأكاديمية في الغرب. وتظهر تصريحات شخصيات برلمانية أوروبية بارزة — من أمثال جان بيير برار في فرنسا، وتوماس لوتسه في ألمانيا، ولارش ريسه في النرويج — وعياً متزايداً بالطبيعة الاستبدادية للمبادرات التي تحاول إعادة تلميع حقبة الحكم البهلوي أو تسويقها في الأوساط الغربية.
وتشير الانتقادات الحادة المقدمة لمؤسسات فكرية دولية، مثل مؤسسة “فريدريش ناومان” الألمانية، إلى رفض صريح داخل الأوساط النيابية الأوروبية لمحاولات منح الشرعية السياسية على أساس الانتماء العائلي بدلاً من معايير الممارسة الديمقراطية والتأييد الشعبي الميداني. وتؤكد تقارير الرصد الدبلوماسي أن الاستبداد الوراثي والاستبداد الديني يتقاطعان في تقويض مفهوم “الجمهورية الديمقراطية”، مما يمتد خطره ليشمل محاولات التوريث الضمنية داخل بنية السلطة الحالية، مثل سيناريوهات الخلافة المتداولة بشأن مجتبى خامنئي.
آفاق التحول والمحركات الجيوسياسية المستقبلية
إن القراءة التجميعية للمعطيات الميدانية والدولية تؤكد أن معركة التغيير في إيران تدور حول الهوية السياسية لنظام المستقبل؛ حيث أثبت الحراك الشعبي في المراكز والمحافظات الهامشية عدم قبوله بالحلول الوسط أو البدائل المصنعة خارج إرادة الاقتراع الحر.
إن الإصرار الميداني للشباب الثوار والمكونات الشعبية على صياغة مسار مستقل ينبذ كافة أشكال الاستبداد — سواء التاريخي أو القائم — يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية للتخلي عن سياسات الترضية، والاعتراف بحق الشعب الإيراني في تقرير مصيره بناءً على أسس الديمقراطية وحكم القانون، بعيداً عن السلطوية الدينية أو الهياكل الوراثية السابقة.
د. سامي خاطرآكاديمي وأستاذ جامعي

زر الذهاب إلى الأعلى