الأخبارالمعارضة الإيرانية

إيران بين تصدير الأزمات واستحقاق التغيير

إيران بين تصدير الأزمات واستحقاق التغيير
من التصعيد الخارجي إلى الغضب الداخلي: هل بات التغيير في إيران

بحزاني – منى سالم الجبوري:
من التصعيد الخارجي إلى الغضب الداخلي: هل بات التغيير في إيران المدخل الضروري لإنهاء دوامة عدم الاستقرار في المنطقة؟
لم تعد تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران محصورة في حدود المواجهة العسكرية بين الطرفين، بل امتدت لتلقي بظلالها الثقيلة على أمن المنطقة واستقرارها واقتصاداتها وممراتها البحرية. والأخطر من ذلك أن النظام الإيراني، بدلا من حصر المواجهة في إطارها المباشر والسعي إلى احتوائها، يتبنى نهجا يقوم على توسيع نطاق الضغوط ورفع كلفة الحرب على دول المنطقة، وكأن أمن الآخرين ينبغي أن يكون رهينة لأمنه ومصالحه.
وقد تجلت هذه السياسة في استهداف منشآت حيوية في دول الخليج، وفي التهديدات التي طالت الملاحة الدولية، فضلا عن الدور الذي تؤديه الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران في توسيع رقعة المواجهة. ووفق تحقيق نشرته وكالة رويترز في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تعرضت منشآت للبنية التحتية في دول الخليج لعشرات الهجمات الإيرانية وهجمات حلفائها منذ اندلاع الحرب، بما شمل مرافق للطاقة والطيران ومنشآت اقتصادية استراتيجية. وهذه الوقائع تعكس مدى اتساع المخاطر التي تواجه المنطقة نتيجة استمرار التصعيد.
إن التهديدات الإيرانية التي تفيد بأن انعدام الأمن لإيران سيعني انعدام الأمن للآخرين ليست مجرد عبارات للاستهلاك السياسي، بل تعبر عن منطق يقوم على استخدام الاضطراب الإقليمي وسيلة للضغط والمساومة. وبدلا من أن يكون أمن المنطقة مصلحة مشتركة تتطلب التعاون والتفاهم، يجري التعامل معه، وفق هذا النهج، بوصفه ورقة يمكن توظيفها في مواجهة الولايات المتحدة أو انتزاع تنازلات منها.
وتزداد خطورة هذا المسار في ظل الانقسامات داخل مراكز القرار الإيراني بشأن التفاوض وشروطه وحدود التنازلات الممكنة. فبينما تدفع بعض الأطراف باتجاه احتواء المواجهة لتخفيف الأعباء الاقتصادية والسياسية، تتمسك تيارات متشددة بمواقف تصعيدية، فيما تعزز المؤسسات الأمنية والعسكرية نفوذها في صناعة القرار. وقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن هذه الخلافات تتصل بطبيعة إدارة الصراع وأولويات النظام، وإن كانت لا تعني بالضرورة انهيار تماسكه أو عجزه عن مواصلة سياساته.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الأساسية: كيف يمكن التوصل إلى تسوية مستدامة عندما تتباين مواقف مراكز القرار، وتظل الثقة متآكلة، وتتحول المفاوضات نفسها إلى ساحة للصراع بين الأطراف المتنافسة داخل النظام؟ إن غياب التوافق على تسوية واقعية، واستمرار التشدد في الشروط، يجعلان فرص إنهاء الأزمة أكثر تعقيدا، ويتركان المنطقة عرضة لجولات جديدة من التصعيد.
لكن الأزمة الإيرانية لا تبدأ من الحرب الراهنة ولا تنتهي عند حدودها. فمنذ أكثر من أربعة عقود، يعيش الإيرانيون تحت وطأة أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة، تفاقمت بفعل السياسات الداخلية، والفساد وسوء الإدارة، وتكاليف النهج الإقليمي، فضلا عن العقوبات الدولية وآثار المواجهات العسكرية. ومن غير المنصف اختزال جميع معاناة الإيرانيين في عامل واحد، لكن من الصعب أيضا تجاهل مسؤولية السياسات التي انتهجتها السلطة عن جانب جوهري من هذه الأوضاع.
وقد أظهرت موجات الاحتجاج الشعبي المتعاقبة أن قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني لم تعد تكتفي بالمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، بل باتت تطرح أسئلة أعمق بشأن طبيعة الحكم ومستقبل البلاد. كما أن اتساع الاحتجاجات الاقتصادية والاجتماعية، وما واجهته من قمع واعتقالات، يكشفان عن فجوة متزايدة بين تطلعات المواطنين وأولويات السلطة. وقد وثقت تقارير دولية احتجاجات واسعة خلال عام 2026، إلى جانب استمرار الضغوط الاقتصادية والتوترات الاجتماعية.
ومن هنا، فإن الحديث عن التغيير في إيران لا ينبغي أن يفهم بوصفه مجرد شعار سياسي أو أمنية مرتبطة بنتائج الحرب، بل باعتباره سؤالا يتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع معا. فإذا كانت السياسات التي تعتمد على تصدير النفوذ المسلح، وتغليب الاعتبارات الأمنية، وإدامة المواجهة مع الخارج، قد أسهمت في تعميق الأزمات الداخلية وتوسيع التوتر الإقليمي، فإن معالجة هذه الأزمات تتطلب مراجعة جوهرية لهذه السياسات، وإقامة نظام يحترم إرادة المواطنين وحقوقهم ويضع التنمية والرفاه العام في مقدمة أولوياته.
ومع ذلك، فإن التغيير السياسي لا يحدث تلقائيا نتيجة الضغوط الخارجية أو تدهور الأوضاع الاقتصادية، ولا يمكن الجزم بأن الحرب وحدها ستقود إلى سقوط النظام. فالتجارب السياسية تشير إلى أن الأنظمة قد تستثمر التهديدات الخارجية لتشديد قبضتها الأمنية، كما أن الانقسامات الداخلية لا تتحول بالضرورة إلى انتقال سياسي ما لم تتوافر ظروف اجتماعية وسياسية ملائمة. ولذلك، فإن مستقبل إيران سيظل مرتبطا إلى حد كبير بقدرة المجتمع على التعبير عن مطالبه، وبمدى تماسك القوى المطالبة بالتغيير، وبالظروف التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.
إن المخرج الحقيقي من هذه الدوامة لا يكمن في استمرار الحرب أو توسيعها، ولا في استبدال هيمنة إقليمية بأخرى، بل في معالجة جذور الأزمة عبر تسوية تضمن الأمن المتبادل، وتحترم سيادة الدول، وتضع حدا لاستخدام الجماعات المسلحة أدوات للصراع. أما على المستوى الإيراني الداخلي، فإن أي تحول مستدام ينبغي أن يستند إلى إرادة الشعب الإيراني وحقه في اختيار مستقبله بحرية، بعيدا عن القمع والإكراه والتدخلات التي تصادر قراره.
وفي المحصلة، تقف المنطقة أمام حقيقة يصعب تجاهلها: إن استمرار النهج الإيراني القائم على التصعيد وتوسيع ساحات الضغط يهدد بإدامة عدم الاستقرار، بينما يدفع الشعب الإيراني نفسه ثمنا باهظا من أمنه واقتصاده ومستقبله. ولذلك، فإن التغيير في إيران يظل احتمالا سياسيا ذا أهمية إقليمية كبيرة، لكنه لن يكون حلا مستداما بمجرد تغيير الأشخاص أو موازين القوى؛ بل يتطلب تحولا في طبيعة الحكم وأولوياته، من تصدير الأزمات إلى معالجة المشكلات الداخلية، ومن توظيف المنطقة ساحةً للصراع إلى التعامل معها فضاءً للتعاون والسلام.

زر الذهاب إلى الأعلى