إيران أمام إختبار مزدوج..أزمة الخلافة وإحتقان الشارع

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم تعد الأزمة التي تواجهها السلطة الإيرانية محصورة في الضغوط الاقتصادية أو التحديات الأمنية والسياسية التي تحيط بها، بل باتت تتخذ طابعا أكثر تعقيدا، مع تزامن مؤشرات الاضطراب داخل هرم الحكم مع اتساع مظاهر الاستياء الاجتماعي. وفي ظل هذه المعادلة، تبدو طهران أمام اختبار مزدوج: كيفية إدارة انتقال السلطة في قمة النظام، وكيفية احتواء مجتمع تتزايد مطالبه وتتراجع ثقته بقدرة المؤسسات الحاكمة على معالجة أزماته.
خلافة ملتبسة وصراع على مراكز النفوذ
يعكس الحضور المتزايد لاسم مجتبى خامنئي في الخطاب الإعلامي الرسمي، وفقا للتقارير، محاولات لاحتواء الغموض المحيط بمستقبل القيادة، في وقت تتردد فيه مؤشرات عن تصاعد الخلافات بين مراكز النفوذ. ولا تقتصر أهمية هذه التحركات على احتمال طرح شخصية لخلافة القيادة الحالية، بل تمتد إلى طبيعة الآليات التي قد تحكم عملية الانتقال، ومدى قدرة المؤسسات السياسية والأمنية والدينية على التوصل إلى توافق يحفظ تماسك المنظومة.
وتزداد حساسية هذا الملف حين تقترن التحركات المتعلقة بالخلافة بتبادل اتهامات التجسس والاختراق والارتباط بأطراف خارجية بين تيارات داخل النظام نفسه. فحين تنتقل الخصومات من الاختلاف حول السياسات إلى التشكيك في ولاء المنافسين، يصبح الخلاف مؤشرا على تراجع الثقة المتبادلة داخل مؤسسات الحكم، وقدرة أقل على إنتاج قرارات تحظى بالقبول حتى بين مكوناته.
ويبرز الملف النووي والتوجهات المتعلقة باستئناف المواجهة العسكرية بوصفهما مجالين إضافيين لهذا التنافس. فبدلا من أن يكون القرار الاستراتيجي موضع توافق، يبدو أنه تحول إلى ساحة لتبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن العزلة الدولية والمخاطر التي تواجه البلاد.
الاقتصاد والاحتجاجات: الوجه الاجتماعي للأزمة
في المقابل، تكشف احتجاجات المتقاعدين في طهران وأصفهان وشوش والأهواز، وفق التقارير المؤرخة في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن الضغوط الاجتماعية لم تعد قابلة للفصل عن أزمة الحكم. فارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وتدني الرواتب، وتأخر المستحقات، ليست مجرد مشكلات قطاعية، بل تعكس فجوة متنامية بين متطلبات الحياة اليومية واستجابة المؤسسات الرسمية.
وتكتسب هذه الاحتجاجات أهمية إضافية من الشعارات التي تجاوزت المطالب المالية المباشرة إلى انتقاد الفقر والفساد والظلم ورفض الإعدامات. ويشير هذا التداخل إلى أن الأزمة المعيشية يمكن أن تتحول إلى مدخل أوسع للتعبير عن الاعتراض السياسي، خصوصا عندما يشعر المحتجون بأن قنوات التفاوض المؤسسي لا تضمن استعادة حقوقهم.
كما أن احتجاج سائقي الشاحنات في كرج على نقص وقود الديزل وطول الانتظار أمام محطات الوقود يضيف بعدا آخر إلى المشهد، إذ يكشف أن الاختلالات لا تمس الدخل وحده، بل تمتد إلى شروط العمل واستمرار النشاط الاقتصادي.
القمع والتوتر الخارجي: حدود سياسة الاحتواء
تضع التقارير تشديد تنفيذ أحكام الإعدام، وما يرتبط به من توجيهات قضائية، في سياق مساعي السلطة لردع الاحتجاجات. وإذا كانت العقوبات القاسية قادرة على فرض الخوف مؤقتا، فإنها لا تعالج الأسباب التي تدفع الناس إلى الشارع، ولا توفر حلولا للتضخم أو تراجع الدخول أو انعدام الثقة.
ويتصل بذلك توظيف التوترات الخارجية والخطاب العسكري في الصراع الداخلي. فتصاعد التهديدات قد يتيح للسلطة تبرير إجراءات أمنية استثنائية، لكنه ينطوي أيضا على مخاطر اقتصادية وسياسية إضافية يتحمل المواطنون جانبا كبيرا من تكلفتها.
إن جوهر المأزق الإيراني يتمثل في تزامن أزمة إدارة الخلافة مع أزمة الاستجابة لمطالب المجتمع. ولا تعني الانقسامات داخل السلطة بالضرورة قرب انهيارها، كما لا تضمن الاحتجاجات المتفرقة تحولها إلى تغيير سياسي شامل؛ غير أن اجتماع هذه العوامل يضيق هامش المناورة المتاح أمام الحكم.
وفي المحصلة، لن يتحدد مستقبل إيران بمجرد الشخصية التي ستتقدم إلى واجهة القيادة، بل بقدرة النظام على معالجة أزماته المتراكمة، واستعادة الثقة العامة، وتقديم استجابة سياسية واقتصادية تتجاوز القمع والمناورات الداخلية والتصعيد الخارجي. أما استمرار النهج الحالي، فيهدد بإبقاء البلاد في دائرة من الاحتقان وعدم الاستقرار، تتغذى فيها أزمة الحكم من أزمات المجتمع، ويغذي فيها انسداد الأفق الاجتماعي هشاشة التوازنات السياسية.