النظام الإيراني بين استعراض القوة والخوف من الشارع

صورة للانتفاضة الشعبیة داخل ایران-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
ليس من الصعب ملاحظة التناقض بين الخطاب الذي تحاول طهران تسويقه إلى الخارج، بوصفها قوة إقليمية قادرة على تجاوز العزلة ومواجهة الضغوط، وبين الأولويات التي تتصدر تصريحات مسؤوليها بشأن التماسك الاجتماعي والحضور الميداني ومعالجة الأوضاع المعيشية. فهذا التناقض يكتسب دلالة خاصة في مرحلة تتشابك فيها الضغوط الدولية مع الأزمات الاقتصادية الداخلية، وتجد فيها القيادة الإيرانية نفسها أمام خيارات صعبة، لا يخلو أي منها من تداعيات سياسية محتملة.
وفي هذا الإطار، يكتسب اللقاء الذي جمع محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، بمجتبى خامنئي أهمية تتجاوز مضمونه المعلن. فوفقا لما أورده الموقع الرسمي لخامنئي، تركزت المناقشات على تعزيز الوحدة الوطنية، ومواصلة الحضور الواعي والرادع في التجمعات الميدانية، إلى جانب التعاون بين الحكومة والبرلمان لمعالجة المشكلات الاقتصادية والمعيشية. وهذه القضايا، على أهميتها الظاهرة، تفتح الباب أمام قراءة أعمق لأولويات النظام ومخاوفه في المرحلة الراهنة.
فلو كانت السلطة مطمئنة تماما إلى تماسك جبهتها الداخلية، لما اكتسب التشديد المتكرر على الحضور الميداني والردع هذه الأهمية في خطابها السياسي. إن استدعاء مفردات الوحدة والتعبئة والردع في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية يثير تساؤلات حول مدى خشية القيادة من انتقال التوترات الاجتماعية من حالة السخط الصامت إلى الاحتجاج العلني. ولا يعني ذلك أن انتفاضة جديدة باتت وشيكة بالضرورة، لكنه يشير إلى أن احتمال اضطراب الجبهة الداخلية يظل عاملا حاضرا في حسابات السلطة.
دبلوماسية الوساطات لا تعني تجاوز الأزمة
في المقابل، تحاول وسائل الإعلام المقربة من النظام تقديم التحركات الدبلوماسية الروسية والباكستانية والقطرية باعتبارها دليلا على انهيار سياسة العزل المفروضة على إيران. وقد ذهبت صحيفة “كيهان” إلى تصوير هذه التحركات بوصفها تحولا استراتيجيا ينهي مرحلة طويلة من العزلة الجيوسياسية.
لكن بين وجود قنوات للوساطة وتحقيق اختراق سياسي فعلي مسافة واسعة. فالوساطات قد تمنح الأطراف فرصة لتجنب التصعيد أو استكشاف تسوية ممكنة، لكنها لا تعني أن الخلافات الأساسية قد حلت، ولا أن طهران استعادت حرية الحركة التي تسعى إلى إظهارها. كما أن تضخيم النتائج المحتملة لهذه التحركات إعلامياً قد يعكس حاجة النظام إلى تقديم صورة إيجابية عن موقعه الدولي في لحظة تتزايد فيها الضغوط على خياراته.
وتكمن المفارقة في أن السلطة التي تسعى إلى إظهار قدرتها على المناورة خارجيا تواجه تحديا مختلفا في الداخل: كيف يمكنها إقناع المجتمع بتحمل المزيد من الأعباء، بينما لا تزال آفاق الخروج من الأزمة غير واضحة؟
الاقتصاد.. الحلقة الأكثر حساسية
لا يمكن فصل هذه التساؤلات عن الأوضاع المعيشية للإيرانيين. فالمشكلات الاقتصادية ليست مجرد ملف إداري تستطيع الحكومة والبرلمان احتواءه عبر اجتماعات إضافية أو وعود عامة، بل تمثل أحد المحددات الأساسية للعلاقة بين المجتمع والسلطة.
وحين تتراجع القدرة الشرائية وتتزايد الضغوط على الأسر، تصبح القرارات الاقتصادية جزءا من معادلة الاستقرار السياسي. وإذا لجأت الحكومة إلى حلول مؤقتة لا تعالج جذور الاختلالات، فقد تجد نفسها أمام نتائج عكسية، خصوصا إذا أسهمت الإجراءات المالية في زيادة التضخم أو نقل أعباء الأزمة إلى المواطنين.
ومن هنا، فإن الحديث عن التعاون بين الحكومة والبرلمان لمعالجة المشكلات المعيشية لا يختبر ببلاغة التصريحات، بل بمدى انعكاس السياسات المتخذة على حياة الناس. فالمواطن الذي يواجه أعباء متزايدة لا تعنيه كثيرا الحملات الإعلامية التي تتحدث عن الانتصارات الاستراتيجية إذا لم يجد تحسنا ملموسا في واقعه اليومي.
بين كلفة التراجع ومخاطر التصعيد
سياسيا، تبدو القيادة الإيرانية أمام معادلة شديدة التعقيد. فالتوصل إلى تفاهمات مع الأطراف الدولية قد يقتضي مراجعة بعض المواقف أو تقديم تنازلات، الأمر الذي قد يثير اعتراض القوى المتشددة داخل النظام. أما مواصلة التصعيد، فتفتح الباب أمام مخاطر عسكرية واقتصادية إضافية، وتزيد من صعوبة معالجة الأزمات الداخلية.
وفي الحالتين، لا يمكن تجاهل العامل الشعبي. فاستمرار الأزمة قد يفاقم السخط، بينما قد تثير أي تسوية لا يصاحبها تحسن ملموس في الأوضاع المعيشية تساؤلات حول جدوى السياسات السابقة. لذلك، لا يبدو أن التحدي الحقيقي يقتصر على اختيار طريق الحرب أو التفاوض، بل يتصل بقدرة النظام على إدارة نتائج أي خيار في مجتمع يعاني من ضغوط متراكمة.
وفي ظل هذه المعادلة، فإن الاعتماد على تشديد القبضة الأمنية أو تكثيف الإعدامات لن يكون بديلا عن معالجة أسباب الاحتقان. فقد تنجح أدوات القمع في فرض الصمت مؤقتا، لكنها لا توفر ضمانة للاستقرار، ولا تمنع تجدد الاحتجاجات ما دامت دوافعها قائمة.
في المحصلة، تكمن دلالة لقاء قاليباف ومجتبى خامنئي في أنه يسلط الضوء على ترابط الملفات التي تواجهها طهران: ضغوط خارجية لم تحسم نتائجها، وأزمة اقتصادية تثقل المجتمع، ومخاوف سياسية من اتساع الفجوة بين السلطة والمواطنين. وقد يتمكن النظام من كسب الوقت عبر الوساطات أو الإجراءات الأمنية، لكن كسب الوقت لا يعني حل الأزمة.
فالتحدي الأكبر أمام القيادة الإيرانية ليس إثبات قدرتها على التعبئة أو استعراض النفوذ، بل إقناع المجتمع بأن لديها مشروعا قادرا على تحسين حياته وتوفير أفق سياسي واقتصادي أكثر استقرارا. ومن دون ذلك، ستظل مظاهر القوة الخارجية عاجزة عن تبديد الهواجس الداخلية، وسيبقى الشارع الإيراني عاملا أساسيا في تحديد حدود قدرة النظام على المناورة.