الأخبارالمعارضة الإيرانية

وهم الاستقرار وديناميكيات البقاء لدى نظام طهران..

وهم الاستقرار وديناميكيات البقاء لدى نظام طهران..
أمد/ نظام الملالي ومعضلة البقاء في ظل التآكل البنيوي واستنزاف الوقت

الاحتجاجات الشعبیة داخل ایران-
أمد للإعلام -د. سامي خاطر:
أمد/ نظام الملالي ومعضلة البقاء في ظل التآكل البنيوي واستنزاف الوقت
غالباً ما يُساء تفسير استمرار النظام الإيراني في السلطة على أنه مؤشر على القوة الذاتية أو التماسك الداخلي، ومع ذلك فإن التحليل الاستراتيجي للواقع الجيوسياسي والداخلي يشير إلى أن ديمومة النظام لا تعكس استقراراً بقدر ما تعكس نجاحاً مؤقتاً في إدارة الأزمات عبر مزيج من القمع المفرط والاستفادة من فجوات قائمة في النظام الدولي؛ النظام الدولي الذي اعتمد سياسة المهادنة والمساومة وتهميش المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية الذي هو البديل السياسي الديمقراطي الوحيد لنظام الملالي الحاكم في إيران.
إن البقاء في الحكم لعدة عقود لا يعني بأي حال من الأحوال وجودٌ مشروع أو شرعية مكتسبة بل هو إشارة وتأكيد على حالة من “البقاء القسري” الذي استند طويلاً إلى سلب منجزات الغير بدءا من سلب منجزات الثورة الوطنية الإيرانية ثورة فبراير 1979 بالإضافة إلى المتغيرات الإقليمية والدولية التي ساعدت في إطالة عمر مؤسسة الملالي الحاكمة مثل وجود الاتحاد السوفياتي في حينه وكذلك الأزمات والصراعات التي شهدتها دول الجوار والتي مكنت طهران من تحويل أنظار الداخل نحو “التهديدات الخارجية” المزعومة.. تلك الأزمات التي كان معظمها من صنع الملالي أنفسهم.
أزمة الشرعية والفجوة الاجتماعية
إن التحدي الجوهري الذي يواجه سلطة طهران اليوم ليس الضغوط الخارجية بل الفجوة البنيوية المتسعة بين المجتمع والطبقة الحاكمة.. وتشير التقارير الميدانية المستقلة ومنظمات الرصد الدولية إلى أن النظام قد فقد جاذبيته الأيديولوجية التي تشكل بها بعد سلب الثورة سنة 1979 حيث تحولت الدولة من كيان يعتمد على التوافق الشعبي إلى مؤسسة تعتمد كلياً على الآليات الأمنية والقسرية.
إن التعامل مع الاحتجاجات العمالية والنشاط المدني عبر سياسات الترهيب والاعتقال لم يعد كافياً لاحتواء الاحتقان؛ فالأزمات الاقتصادية والفساد المستشري عوامل بمجملها لم تعد مجرد تحديات معيشية بل تحولت إلى محركات دافعة لرفض جذري للوضع القائم والنظام برمته يمتد عبر كافة الشرائح الاجتماعية.
تصاعد الضغوط في مرحلة “ما بعد خامنئي”
تواجه البنية السياسية في إيران ضغوطاً داخلية تتجاوز ملفات الاقتصاد إلى أزمة الخلافة المحتدمة، ورغم محاولات ضبط توازن الأجنحة عبر شخصية علي خامنئي إلا أن لحظات الانتقال في الأنظمة الاستبدادية غالباً ما تكون الشرارة التي تفضح الانقسامات الكامنة.
إن الانحسار التدريجي للأوهام التي كانت تراهن على “الإصلاح من الداخل” يعزز من فرضية أن المجتمع الإيراني قد كسر حاجز الخوف بشكل نهائي.. وهو ما تجلى بوضوح في موجات الانتفاضات المتعاقبة (2017، 2019، 2022) والتي أثبتت أن الرفض الشعبي ليس طارئاً بل هو انعكاس لاستياء بنيوي لا يمكن معالجته عبر القمع الأمني.
المأزق الاستراتيجي.. والخيارات المكلفة
تجد النخبة الحاكمة في طهران نفسها في شلل استراتيجي؛ إذ أصبحت أدوات السياسة الخارجية.. النووي، والصواريخ البالستية، والفصائل الإقليمية عبئاً اقتصادياً يفاقم العزلة الدولية ويزيد من الضغط الشعبي.. وإن أي تنازل في هذه الملفات يهدد الركائز الأساسية التي تستند إليها العقيدة الأمنية للنظام مما قد يفجر خلافات حادة داخل مراكز القوى المتصارعة.. هذا المأزق يضع النظام أمام خيارين أحلاهما مر.. فإما المضي في نهج العزلة والتدهور الاقتصادي، أو الانفتاح الذي قد يعني تقويض أسس سُلطة النظام المركزية.
التوازن الهش في مهب الريح
خلاصة المشهد الإيراني اليوم هي أن النظام يعيش على “وقت مستقطع”؛ فهو يسيطر على مفاصل الدولة لكنه فقد القدرة على قيادة المجتمع.. وإن التضخم الجامح، والبطالة وتعمق الفوارق الطبقية قد تحولت إلى محركات ثورةٍ صامتة تنبض في وجدان الشعب الإيراني، وإذا كان التاريخ لا يمنح توقيتات دقيقة لسقوط الأنظمة فإنه يؤكد أن السلطة التي تعتمد على حراب الأمن وتفتقر إلى التوافق هي سلطة تعيش حالة من التآكل المستمر.
إن مستقبل إيران لن يحدده بقاء النظام في المدى القصير.. بل ستحدده قدرة القوى الحية في المجتمع على تحويل هذا الرفض المتجذر إلى بديل سياسي يعيد صياغة العقد الاجتماعي، وهو صراع سيستمر طالما بقيت أسباب الاستياء قائمة ومترسخة تحت حكم الولي الفقيه.

زر الذهاب إلى الأعلى