ماذا لو ترك ملالي إيران وشأنهم منذ البداية؟

الحوار المتمدن- نزار جاف:
ماذا لو أن العالم، منذ الأيام الأولى لقيام الجمهورية الإسلامية، قرر أن يترك ملالي إيران وشأنهم؟ ماذا لو لم تتحول إيران الى ساحة دائمة للصراع الدولي، ولم تمنح السلطة في طهران فرصة تقديم نفسها باعتبارها دولة محاصرة تتعرض لمؤامرة عالمية متواصلة؟ والأهم: ماذا لو أن المنطقة، بعد سقوط نظام صدام حسين وانسحاب القوات الأميركية من العراق، لم تترك فراغا استراتيجيا استطاعت طهران أن تتقدم لملئه؟
إنه سؤال افتراضي، لكن الإجابة عنه يمكن أن تقود إلى قراءة مختلفة تماما للشرق الأوسط الذي نعرفه اليوم.
فمنذ عام 2003، استفادت إيران بصورة واضحة من التحولات التي أحدثها سقوط نظام صدام حسين. وتشير دراسات وتحليلات غربية الى أن إسقاط نظامي طالبان في أفغانستان وصدام في العراق أزال خصمين إقليميين كانا يحدان من مجال الحركة الإيراني، فيما تمكنت طهران من توسيع نفوذها داخل العراق عبر قنوات سياسية وأمنية واقتصادية، وعبر علاقاتها مع قوى مسلحة.
وهنا تبدأ المفارقة الكبرى: هل كان المشروع الإقليمي الإيراني سيصل إلى ما وصل إليه لو لم يفتح أمامه هذا المجال؟
بعد الانسحاب الأميركي الكامل من العراق عام 2011، دخلت المنطقة مرحلة جديدة. فقد تراجع الوجود الأميركي المباشر، بينما كانت إيران قد راكمت خلال السنوات السابقة شبكة واسعة من العلاقات السياسية والفصائل المسلحة والنفوذ الاقتصادي داخل العراق. وتشير مصادر بحثية الى أن الحرس الثوري، ولاسيما فيلق القدس، كان قد أصبح فاعلا أساسيا في بناء علاقات مع جماعات مسلحة في العراق ولبنان وسوريا واليمن وغيرها.
ولذلك فإن القضية لم تكن مجرد خلاف بين طهران وواشنطن، ولا مجرد برنامج نووي أو عقوبات اقتصادية. كانت هناك رؤية سياسية وفكرية وأمنية لطبيعة الدور الإيراني خارج الحدود، تقوم على بناء مجال نفوذ إقليمي قادر على حماية النظام وتعزيز موقعه وردع خصومه، مع توظيف قوى محلية مسلحة وسياسية لتحقيق هذه الغاية.
فماذا لو لم يجد هذا المشروع كل تلك المساحات المفتوحة أمامه؟
ربما كان العراق سيأخذ مسارا مختلفا. وربما كانت العلاقة بين بغداد وطهران ستبقى علاقة بين دولتين متجاورتين، بدلا من أن تصبح إيران، كما تصف بعض الدراسات، صاحبة نفوذ واسع داخل السياسة والاقتصاد والأمن العراقي.
وربما كان المشهد السوري سيبدو مختلفا أيضا.
فمع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تدخلت إيران بصورة متزايدة لدعم نظام بشار الأسد، ثم أصبح الحرس الثوري وفيلق القدس جزءا من شبكة عسكرية إقليمية شاركت فيها قوات وفصائل مرتبطة بطهران. وفي اليمن، دعمت إيران الحوثيين بالأسلحة والتدريب والمعلومات، بينما كان لبنان قد أصبح قبل ذلك أحد أبرز ميادين النفوذ الإيراني عبر حزب الله.
ومن هنا يمكن تخيل شرق أوسط مختلف: اصطفافات أقل حدة، حسابات أمنية مختلفة، وربما مساحة أوسع للدول العربية كي ترسم سياساتها بعيدا عن منطق المحاور المتصارعة.
لكن المسألة لا تتعلق بالمنطقة وحدها.
ماذا لو ترك النظام الإيراني لمواجهة واقعه الداخلي من دون أن يتحول الصراع الخارجي الى جزء دائم من شرعيته السياسية؟
لقد ظل “الخطر الخارجي” عنصرا مركزيا في خطاب الجمهورية الإسلامية. الولايات المتحدة، إسرائيل، العقوبات، المؤامرات، والحروب الإقليمية، كلها وفرت للسلطة، في مراحل مختلفة، تفسيرا جاهزا لأزمات كثيرة.
لكن ماذا يحدث عندما يغيب هذا العدو؟
عندها يعود السؤال إلى الداخل: لماذا البطالة؟ لماذا التضخم؟ لماذا الفساد؟ لماذا تراجع العملة؟ لماذا القمع والاعتقالات والإعدامات؟ ولماذا تستمر الأزمات الاجتماعية والسياسية حتى في الفترات التي تخف فيها المواجهة الخارجية؟
هنا بالضبط تصبح فرضية “ترك النظام وشأنه” أكثر إثارة.
فربما لم يكن المطلوب من العالم أن يخوض حربا مع إيران، ولا أن يحاول إسقاط نظامها بالقوة، ولا حتى أن يفرض عليها عزلة دائمة. ربما كان المطلوب، قبل كل شيء، ألا تتحول أخطاء الآخرين في العراق والمنطقة الى رأس مال استراتيجي للمشروع الإيراني.
لقد أظهرت تجربة العراق أن إسقاط خصم إقليمي لطهران لم يؤد بالضرورة الى إضعاف إيران؛ بل ساعد، وفق تحليلات عديدة، على توسيع مجال نفوذها. كما أن الانسحاب الأميركي عام 2011 جاء في سياق كانت فيه إيران قد عززت بالفعل حضورها السياسي والأمني داخل العراق.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا لو عاقب العالم إيران أكثر؟
بل ربما: ماذا لو لم يمنحها العالم، منذ البداية، الفرص التي سمحت لمشروعها الإقليمي بأن يتمدد؟
عندها كان يمكن أن تكون الخريطة مختلفة، والتحالفات مختلفة، وحسابات العواصم العربية مختلفة، وربما حتى طبيعة الصراع الإيراني ـ الأميركي مختلفة.
لكن التاريخ لا يعرف “لو”.
ما نعرفه هو أن سقوط بغداد، ثم الانسحاب الأميركي من العراق، ثم تحولات سوريا واليمن ولبنان، وفرت لطهران ظروفا إقليمية استثمرتها بمهارة للحفاظ على نفوذها وتوسيعه.
ولهذا، فإن ترك ملالي إيران وشأنهم لم يكن بالضرورة يعني ترك المنطقة لمشروعهم؛ كما أن مواجهتهم المستمرة لم تكن بالضرورة كافية لاحتواء ذلك المشروع.
المسألة الأعمق كانت دائما: ماذا يحدث عندما يجد نظام يحمل مشروعا عابرا للحدود، منطقة تعاني الفراغ والانقسام، وقوى دولية تتخذ قراراتها بصورة متناقضة؟
ربما تكون الإجابة هي الشرق الأوسط الذي نعرفه اليوم.
وربما لو جرى التعامل مع إيران، منذ البداية، باعتبارها دولة مسؤولة عن خياراتها، لا باعتبارها مجرد طرف في لعبة كبرى، لكانت المنطقة قد كتبت فصلا مختلفا تماما.
فالمشكلة لم تكن فقط في أن العالم ترك ملالي إيران وشأنهم أو لم يتركهم.
المشكلة كانت في أن أخطاء الآخرين، في أحيان كثيرة، صنعت لهم المساحة التي احتاجوا إليها كي يصنعوا واقعا آخر للمنطقة.