الأخبارالمعارضة الإيرانية

حين يصبح طلب العمل تهمة تستوجب الرصاص

حين يصبح طلب العمل تهمة تستوجب الرصاص
تجمع لطالبین العمل و الذي قام نظام الملالي بقمعة بوحشیة تامة

تجمع لطالبین العمل و الذي قام نظام الملالي بقمعة بوحشیة تامة
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم يعد المشهد الاحتجاجي في إيران مجرد سلسلة من التحركات المطلبية المتفرقة التي يمكن للنظام احتواؤها بالوعود أو المسكنات المؤقتة. ما يجري في مدن ومناطق متباعدة، من غتشساران والأهواز إلى قزوين وطهران وشوش ومهران وكردستان وأصفهان وجازموريان، يكشف عن ظاهرة أكثر عمقا وخطورة: تراكم اجتماعي واسع للغضب، تتداخل فيه البطالة والفقر والغلاء وانهيار الخدمات وانعدام العدالة، مع شعور متزايد بأن النظام لم يعد قادرًا، أو راغبًا، في معالجة جذور الأزمة.
والأخطر من اتساع الاحتجاجات نفسها هو طبيعة المطالب التي تدفع الإيرانيين إلى الشوارع. فالشباب في غتشساران والأهواز لم يخرجوا للمطالبة بشيء استثنائي؛ إنهم طالبوا بالعمل. ومع ذلك، كان رد قوات الأمن إطلاق النار والضرب والتهديد بالسلاح. هنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة في المشهد الإيراني: حين يعجز النظام عن توفير فرصة عمل، فإنه يجد أن توفير الرصاص أسهل.
إن إطلاق النار على شباب يبحثون عن وظيفة لا يمثل مجرد حادث أمني عابر، بل يعكس مأزقا سياسيا واجتماعيا عميقا. فالشاب العاطل عن العمل لا يحتاج إلى خطاب سياسي كي يشعر بأن النظام يخذله؛ يكفي أن يرى الوظيفة تذهب إلى من يمتلك النفوذ والعلاقات، وأن يواجه التمييز والمحسوبية، ثم يطلب منه الصمت عندما يحتج. وعندما يتحول الاحتجاج على الفساد في التوظيف إلى مواجهة أمنية، فإن القضية تتجاوز الوظيفة لتصبح قضية كرامة وعدالة وشعور بالمواطنة.
وفي قزوين، تقدم قضية “آريان فولاد” صورة أخرى للكارثة. مصنع يوفر نحو ألف فرصة عمل يتوقف لأشهر بسبب انقطاع الكهرباء، بينما تتوقف معه رواتب العمال وحياة عائلات بأكملها. العبارة التي رددها العمال: “الإنتاج لا يعمل بالوعود، بل بالكهرباء” تختصر مأزقا يتجاوز هذا المصنع. إنها رسالة إلى سلطة اعتادت التعامل مع الأزمات عبر التصريحات، بينما يواجه المواطن نتائجها يوميا في لقمة عيشه.
ثم يأتي نقص الوقود ليضيف طبقة أخرى إلى الأزمة، وصولا إلى إضراب سائقي محطة مهران. وفي الوقت نفسه، ينزل المتقاعدون إلى الشوارع في مدن عدة، بعدما أصبحت رواتبهم عاجزة عن مجاراة التضخم والغلاء. وحين يقول المتقاعد: “رواتبنا بالريال ونفقاتنا بالدولار”، فإنه يصف ببساطة مأساة اقتصاد تتآكل فيه قيمة العملة بينما ترتفع كلفة الحياة بصورة متسارعة.
الأكثر دلالة أن هذه الاحتجاجات لا تنتمي إلى طبقة اجتماعية واحدة. الشباب يريدون العمل، العمال يريدون استمرار الإنتاج، السائقون يريدون الوقود، المتقاعدون يريدون معاشا يكفيهم، والمزارعون يريدون حماية أراضيهم. اختلاف المطالب لا يلغي وحدة الجذر؛ فجميع هؤلاء يصطدمون بنظام اقتصادي وسياسي فقد القدرة على تقديم حلول مقنعة لأزمات تتسع يوما بعد يوم.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية بالنسبة للنظام. فالاحتجاج المنفرد يمكن قمعه، والمطلب المحلي يمكن تأجيله، لكن عندما تبدأ المطالب المختلفة في الالتقاء داخل حالة عامة من السخط، يصبح من الصعب الفصل بين الاحتجاجات أو التعامل معها كحوادث منفصلة. فالأزمة الاقتصادية، عندما تطول، تتحول إلى أزمة ثقة، وأزمة الثقة عندما تتسع تتحول إلى أزمة سياسية.
كما أن اللجوء المتزايد إلى القوة لا يعني بالضرورة استعادة السيطرة؛ بل قد يكون مؤشرا على ضيق الخيارات. فالنظام الذي يطلق النار على شاب يطالب بفرصة عمل يرسل، من حيث يدري أو لا يدري، رسالة شديدة الخطورة: أنه لا يملك إجابة عن سؤال المواطن، ولذلك يستخدم القوة لإسكاته.
إن إيران اليوم لا تواجه احتجاجا واحدا، وإنما تراكما متسارعا من الأزمات والاحتجاجات. ومع استمرار تدهور القدرة الشرائية، وهبوط قيمة الريال، والبطالة، وأزمة الكهرباء والوقود، فإن المسافة بين المطالب الاقتصادية والانفجار السياسي قد تضيق بصورة كبيرة.
لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل توجد أزمة في إيران؟ فهذا أصبح واقعا لا يحتاج إلى إثبات. السؤال الأكثر أهمية هو: إلى أي مدى يستطيع النظام تأجيل لحظة الانفجار، بينما تتسع دائرة من لم يعد لديهم ما يخسرونه؟

زر الذهاب إلى الأعلى