عندما يتحول الفقر إلى معارضة صامتة

الحوار المتمدن- سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
في إيران اليوم، لم يعد الفقر مجرد نتيجة لأزمة اقتصادية، بل أصبح واحدا من أخطر التحديات السياسية التي تواجه نظام ولاية الفقيه. فالأرقام التي تتسرب حتى من إعلام النظام نفسه تكشف اتساع الهوة بين ثروات البلاد وحياة مواطنيها، وتضع السلطة أمام حقيقة يصعب إخفاؤها بالدعاية أو تبريرها بالعقوبات.
صحيفة “ابتكار” الحكومية تحدثت عن وصول كلفة سلة المعيشة إلى نحو 90 مليون تومان شهريا، وعن وقوع سبع شرائح من أصل عشر تحت خط الفقر. وإذا أخذنا هذه التقديرات على محمل الجد، فنحن أمام نحو 63 مليون إيراني يعيشون تحت ضغط الفقر أو على حافته.
لكن الرقم، مهما كان صادما، لا يقول كل شيء غير إن الأكثر إيلاما هو أن الراتب الذي كان يفترض أن يمنح العامل الحد الأدنى من الأمان لم يعد قادرا على ملاحقة الأسعار. ووفق الأرقام الواردة في التقرير، تراجعت نسبة تغطية الأجور لتكاليف المعيشة من 58.24 بالمائة إلى 27.58 بالمائة، فيما بلغ مؤشر أسعار المنتجين 71 بالمائة. أي أن راتب العامل، وفق هذه الحسابات، يمكن أن ينتهي قبل أن ينتهي الأسبوع الثاني من الشهر، فماذا يفعل الإنسان عندما ينتهي راتبه قبل أن ينتهي الشهر؟
يبدأ أولا بالاستغناء عن الكماليات، ثم عن اللحوم، ثم عن بعض المواد الغذائية، ثم يؤجل العلاج، ويستدين، ويبيع ما يستطيع بيعه. وبعد ذلك لا يبقى أمامه سوى الغضب، وهنا تبدأ المشكلة السياسية.
فإيران ليست بلدا فقيرا يفتقر إلى الموارد. إنها دولة تملك واحدا من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، وموارد طبيعية وبشرية هائلة. لكن المفارقة أن بلدا بهذه الإمكانات يعجز عن توفير حياة كريمة لغالبية من أبنائه.
والسؤال الذي يزداد حضورا في الشارع الإيراني ليس فقط: لماذا ارتفعت الأسعار؟ بل: أين ذهبت ثروات البلاد؟
عندما يرى المواطن أن الموارد تنفق على المشاريع العسكرية والصاروخية، وعلى التدخلات الإقليمية، وعلى أجهزة أمنية ضخمة، ثم يطلب منه أن يتحمل مزيدا من الفقر والتضخم، فإن الأزمة الاقتصادية تفقد طابعها الاقتصادي وتتحول إلى قضية عدالة وكرامة وحق في الثروة الوطنية، وهذا بالضبط ما يخشاه النظام.
فالاحتجاج السياسي لا يولد دائما من الشعارات السياسية؛ أحيانا يولد من جيب فارغ، أو من مائدة خالية، أو من راتب انتهى في اليوم الثامن. وقد أثبتت الانتفاضات السابقة أن الشرارة المعيشية يمكن أن تفتح الباب أمام أسئلة أكبر بكثير من سعر سلعة أو قرار حكومي.
ولهذا يبدو النظام منشغلا ليس فقط بإدارة الفقر، وإنما بإدارة الغضب الناتج عنه. الاعتقالات، والتحذيرات الأمنية، وتشديد الرقابة، ومحاولات السيطرة على الشارع، كلها تعكس إدراكا بأن المشكلة لم تعد في الأرقام، وإنما في ما يمكن أن يحدث عندما تتحول هذه الأرقام إلى وعي جماعي.
فالقمع يستطيع تأجيل الانفجار، لكنه لا يستطيع إلغاء أسبابه. والدعاية تستطيع تغيير الخطاب، لكنها لا تستطيع تغيير سعر الخبز. والتهديد يستطيع إسكات فرد، لكنه لا يستطيع إسكات مجتمع بأكمله.
وهنا تكمن المفارقة التي قد تكون الأخطر على النظام: كلما حاول حماية استقراره بالقمع وتحميل المجتمع كلفة سياساته، زاد تراكم الأسباب التي تهدد ذلك الاستقرار.
إن 63 مليون إنسان تحت خط الفقر، إذا صحت هذه التقديرات، ليسوا مجرد رقم اقتصادي. إنهم مجتمع كامل يعيش تجربة الحرمان يوما بعد يوم. وحين يتحول الحرمان إلى غضب، والغضب إلى قناعة، والقناعة إلى حركة جماعية، يصبح السؤال بالنسبة للنظام ليس كيف يعالج الأزمة، بل كيف يمنع الأزمة من التحول إلى قضية بقاء.