تصريحات خرازي تفضح بيت السلطة: مجتبى بين هشاشة القيادة وصراع الأجنحة

مجتبی خامنئي-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم تكن تصريحات محمد باقر خرازي الأخيرة مجرد سجال مع حكومة مسعود بزشكيان، بل بدت كأنها شق في جدار الصمت الذي يحيط بصراعات السلطة في إيران. فخرازي، القادم من داخل البيئة الحوزوية والسياسية الموالية للنظام، لم يكن يتحدث من موقع معارض، الأمر الذي يمنح تصريحاته بشأن مجتبى خامنئي دلالة خاصة، حتى مع محاولات التراجع عنها أو التشكيك في مقاطعها المتداولة.
الأهم في كلامه أنه كشف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن انتقال السلطة إلى مجتبى لم يكن عملية سلسة ومحسومة، وأن الرجل لا يزال يعمل على تثبيت مركزه وسط شبكة من القوى الأمنية والعسكرية والحوزوية المتنافسة. وهذا يعني أن مرحلة ما بعد خامنئي لم تنتج حتى الآن مركزا واحدا للقرار، بل أطلقت صراعا على النفوذ داخل النواة الصلبة للنظام.
ويكشف التصعيد ضد خرازي حدود المسموح به داخل هذه المنظومة. فانتقاد بزشكيان والتشدد في الخطاب السياسي يمكن احتواؤهما، لكن كشف الخلافات داخل بيت القيادة أو محاولة تحريك الشارع الموالي يشكلان خطا أحمر. لذلك جاء استدعاؤه إلى المحكمة الخاصة برجال الدين والانتقادات الصادرة عن شخصيات مرتبطة بمراكز القوة.
في المقابل، يحاول بزشكيان إدارة الأزمة من خلال مؤسسات النظام، ولا سيما المجلس الأعلى للأمن القومي، مؤكدا أن القرارات المتعلقة بالحرب والتفاهمات وملف مضيق هرمز ليست قرارات حكومية منفردة. ويأتي صعود محسن رضايي داخل هذا المجلس ليؤكد أن النظام يسعى إلى وصل الحكومة بالمؤسسة العسكرية وبالدائرة المحيطة بمجتبى، بما يضمن تماسك مركز القرار في مرحلة شديدة الاضطراب.
لكن هذا الترتيب لا يعني أن مجتبى أصبح صاحب سلطة مطلقة. على العكس، يبدو أنه يحتاج إلى إعادة توزيع الأدوار واسترضاء مراكز القوة الأمنية والعسكرية والحوزوية، وإلى صيغة تعاون مع الحكومة. وهذا يختلف جوهريا عن نموذج السلطة الذي بناه والده طوال عقود.
حتى مضيق هرمز تحول إلى ورقة في الصراع الداخلي. فبينما يرى جناح إدارة الأزمة أن استخدامه للحصول على تفاهمات قد يوفر للنظام متنفسا اقتصاديا وسياسيا، يخشى المتشددون أن يؤدي خفض التصعيد إلى فقدان آخر أوراق الضغط. وهكذا أصبح الملف الخارجي امتدادا مباشرا لمعركة النفوذ داخل السلطة.
غير أن جميع هذه الأجنحة، رغم خلافاتها، تلتقي عند هدف واحد: إبقاء نظام ولاية الفقيه. الخلاف ليس حول مستقبل الشعب الإيراني أو الانتقال الديمقراطي، وإنما حول الوسيلة الأكثر ملاءمة لإطالة عمر النظام: التهدئة والمساومة من جهة، أم التصعيد والقمع من جهة أخرى.
وهنا تكمن أهمية ما كشفته قضية خرازي. فالأزمة الحقيقية ليست صراع أشخاص، بل أزمة نظام فقد قدرته على إخفاء تناقضاته. وكلما احتدمت المنافسة بين أجنحته، ازدادت حاجته إلى القمع وإلى إدارة الأزمات الخارجية لتأجيل الانفجار الداخلي.
ولهذا فإن الرهان على تغليب جناح على آخر لن يغير جوهر المعادلة. بزشكيان ليس مشروع تغيير، كما أن إعادة تدوير قادة الحرس الثوري ليست إصلاحا. والمخرج الحقيقي، وفق الرؤية التي تطرحها المقاومة الإيرانية المنظمة، لا يكمن في الحرب ولا في المساومة مع النظام، بل في تمكين الشعب الإيراني من إسقاط منظومة ولاية الفقيه وبناء بديل ديمقراطي.
لقد كشف خرازي، من داخل البيت، ما يحاول النظام إخفاءه: مجتبى لم يثبت قبضته بالكامل، ومراكز القرار تتنازع النفوذ، والحرب والتفاوض وهرمز أدوات في صراع داخلي أعمق. والأخطر بالنسبة للنظام أن هذه الانقسامات تأتي في وقت يتراكم فيه غضب المجتمع الإيراني. فإذا انتقل هذا الغضب من احتجاجات متفرقة إلى مقاومة منظمة ذات هدف سياسي واضح، فلن يكون صراع الأجنحة هو القضية؛ بل بداية النهاية للنظام بأكمله.