هل تستيقظ الأمم المتحدة على صدى أزمة إيران المزمنة؟

مقر الأمم المتحدة-
MEO- د. مصطفى عبدالقادر :
الدراسات الجيوسياسية تؤكد أن غياب المساءلة الدولية لا يقتصر ثمنه على الداخل الإيراني، بل ينعكس بشكل مباشر على أمن الإقليم واستقراره.
الأمم المتحدة لا تلتفت لانتهاكات منسوبة للنظام الايراني
يتجدد السجود الدبلوماسي في أروقة الأمم المتحدة مع كل انعقاد للجمعية العامة، ليطفو على السطح التناقض الحاد بين المبادئ التأسيسية للمنظمة الدولية وواقع التعامل مع الأنظمة الثيوقراطية، فبينما تتعالى أصوات المحتجين في الشوارع المحيطة بمقر المنظمة الدولية في نيويورك، يواجه المجتمع الدولي اختباراً أخلاقياً واستراتيجياً حقيقياً حيال استمرار هيمنة نظام ولاية الفقيه على المقعد الأممي لإيران.
وتكشف التقارير الميدانية الصادرة عن منظمات رصد دولية مستقلة، مثل العفو الدولية ولجان التحقيق التابعة للأمم المتحدة، عن فجوة عميقة بين الخطاب الدبلوماسي الرسمي وحجم الانتهاكات المنهجية التي تشهدها البلاد، مما يجعل من استمرار الوضع القائم تكريساً لسياسة الهروب إلى الأمام.
تستند القراءة الموضوعية لواقع الأزمة الإيرانية إلى أرقام صلبة ومعطيات موثقة بعيدة عن البروباغندا السياسية، فقد أظهرت السجلات الحقوقية تصاعداً مقلقاً في وتيرة الإعدامات، حيث تجاوزت الحصيلة آلاف العمليات خلال العامين الأخيرين، وصولاً إلى أرقام غير مسبوقة في منتصف عام 2026.
ولا تقتصر هذه الممارسات على كونها أدوات ردع محلي، بل تمثل بحسب توصيف المقرر الخاص للأمم المتحدة لعام 2024 ولجنة التحقيق المستقلة جرائم ضد الإنسانية ترقى إلى مصاف الإبادة الجماعية، امتداداً لمجازر الثمانينيات ومروراً بانتفاضات نوفمبر/تشرين الثاني 2019 وخريف 2022 وصولاً إلى احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026. إن هذا التراكم الدموي يضع المنظومة الحقوقية الدولية أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية تتجاوز البيانات الروتينية والإدانات اللفظية.
تؤكد الدراسات الجيوسياسية أن غياب المساءلة الدولية لا يقتصر ثمنه على الداخل الإيراني، بل ينعكس بشكل مباشر على أمن الإقليم واستقراره، فعندما تضمن السلطات في طهران حصانة دبلوماسية في المحافل الدولية رغم تورط رموزها في جرائم حرب وإبادة، فإن ذلك يفسر ضمناً كضوء أخضر لتوسيع نطاق البرامج العسكرية غير التقليدية، وفي مقدمتها السعي المحموم نحو صنع القنبلة النووية، فضلاً عن تأجيج الصراعات الإقليمية عبر الميليشيات الوكيلة.
وتثبت التجربة التاريخية أن استرضاء الأنظمة الاستبدادية لا يجلب الاستقرار، بل يغذّي النزعات التوسعية ويضاعف من تكلفة المواجهة المستقبلية على حساب شعوب المنطقة.
يضع السؤال الجيوسياسي المتعلق بسبل الضغط الدولي طهران أمام معادلة بالغة التعقيد، إذ يتأرجح المجتمع الدولي بين خيارات محدودة الفعالية ومخاطر استراتيجية جسيمة، فمن جهة، ثبت عجز سياسات المهادنة والدبلوماسية الرخوة عن ردع سلوك النظام الإيراني، ومن جهة أخرى، ترفض القوى العظمى الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة قد تحرق المنطقة برمتها.
ويشير المحللون إلى أن البديل العملي الأكثر توازناً يكمن في تصعيد الضغط الدبلوماسي والاقتصادي الممنهج، وتفعيل آليات المحاسبة الجنائية الدولية ضد رموز النظام، إلى جانب تقديم دعم سياسي ومعنوي واضح للمقاومة الشعبية ووحدات المعارضة الداخلية. إن حرمان طهران من الغطاء الدبلوماسي في المؤسسات الأممية وتجفيف منابع تمويل آلتها القمعية يعتبران السبيل الأنجع لتقويض أركان الاستبداد دون الحاجة لتدخل عسكري مدمر.
على الصعيد الاستراتيجي، يتجاوز الحراك الشعبي الإيراني مجرد الاعتراض على الأوضاع المعيشية المتردية، ليطرح بنياناً متكاملاً لإسقاط منظومة الاستبداد برمتها. ويظهر جلياً من خلال أصوات السجناء السياسيين، ووحدات المقاومة، وقطاع الشباب والجيل الجديد في سجون مثل إيفين؛ رفض قاطع لكل أشكال الديكتاتورية والتبعية، سواء بالعودة إلى الماضي البهلوي أو بالاستمرار تحت عباءة الملالي.
إن هذا التوق نحو إقامة جمهورية ديمقراطية تقوم على أساس السيادة الشعبية وفصل الدين عن الدولة يمثل ركيزة صلبة لمستقبل مستقر، مما يؤكد أن الحل الحقيقي يكمن في الداخل الإيراني عبر الدعم السياسي والدبلوماسي للمقاومة المنظمة وضمان محاكمة مرتكبي الانتهاكات أمام القضاء الجنائي الدولي.
ويرى المراقبون أن تفعيل الولاية القضائية العالمية وإنشاء آلية عدالة دولية لمحاكمة رموز النظام الإيراني لم يعد مجرد مطلب حقوقي، بل هو ضرورة أمنية إقليمية وعالمية