الأخبارالمعارضة الإيرانية

دلالات التصعيد الأمني في السجون الإيرانية

دلالات التصعيد الأمني في السجون الإيرانية
تكشف المستجدات الميدانية الواردة من مراكز الاحتجاز الإيرانية خلال شهر أغسطس 2026

جريدة الأمة الإلكترونية- د. سامي خاطر يكتب:
تكشف المستجدات الميدانية الواردة من مراكز الاحتجاز الإيرانية خلال شهر أغسطس 2026 عن تحول ملحوظ في أنماط التعاطي الأمني مع ملف السجناء السياسيين والمحتجزين على خلفية قضايا الأمن القومي. ففي الوقت الذي تتزايد فيه التحديات الداخلية والإقليمية التي تواجه طهران، تشير التقارير الميدانية والشهادات التوثيقية إلى تصاعد الإجراءات العقابية والرقابية داخل المنظومة السجنية، وعلى رأسها سجن إيفين في العاصمة، إلى جانب معتقلات إقليمية في مدن مثل الأهواز ويزد ورشت وكرج. لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن هندسة الردع الداخلي التي تعتمدها المؤسسة الحاكمة لإجهاض أي محاولات لإعادة تنظيم الشارع أو بناء شبكات احتجاجية عابرة للمؤسسات.
إستراتيجية القبضة المشددة: تفكيك الديناميات الأمنية داخل السجون
شهد سجن إيفين، تحديداً في العنبر السابع والقاعتين الثالثة والرابعة، عمليات اقتحام وتفتيش مشددة أسفرت عن مواجهات واعتداءات طالت عدداً من المحتجزين المحسوبين على التيار المعارض، من بينهم إحسان رستمي ومجتبى تقوي وأمير حسين مرادي وحسن عميدي، وذلك امتداداً لإجراءات أمنية سابقة طالت القاعة الثانية ونُقل على إثرها معتقلون إلى جهات غير معلومة.
تتجاوز هذه الإجراءات البعد العقابي التقليدي لتشكل تكتيكاً استباقياً يهدف إلى منع تشكّل كتل حرجة داخل المعتقلات. ولا تقتصر هذه السياسة على العاصمة، بل تمتد لتشمل مراكز احتجاز إقليمية بأساليب متطابقة؛ حيث وثقت التقارير نقل السجين مسعود جامعي في سجن شيبان بمدينة الأهواز إلى الحبس الانفرادي في ظروف مناخية قاسية عقب احتجاجه على ظروف الاحتجاز، وهو المحكوم بالإعدام رفقة فرشاد اعتمادي فر وعلي رضا مرداسي بموجب أحكام صادرة عن محكمة الثورة. وفي سجن لاكان بمدينة رشت، تعرض السجين حمزة درويش لإصابات بالغة، بينما شهد سجن قزلحصار تركيب أجهزة تشويش تقنية في الوحدة الثانية لإحباط الاتصالات والتنسيق بين السجناء عقب إضراب واسع عن الطعام شارك فيه نحو 1500 سجين.
البعد القضائي والإداري: إدارة المخاطر وتصعيب كلفة المعارضة
تعتمد السلطات القضائية في إيران مساراً مزدوجاً يجمع بين الأحكام القضائية المغلظة والضغط الإداري داخل المحتجزات. وتبرز في هذا السياق حالة السجينة بريسا كمالي المحتجزة في سجن يزد المركزي عقب نفيها عقابياً، والتي تواجه محاكمة جديدة بتهم تتعلق بـالدعاية ضد النظام والعمل ضد الأمن القومي، بعد صدور حكم سابق بحقها بالسجن ست سنوات.
يعكس توظيف المحاكم الثورية لاتهامات فضفاضة، مثل “الحرابة” و”التجمهر والتواطؤ”، رغبة مؤسسية في رفع كلفة النشاط السياسي المعارض إلى أقصى حد ممكن. وتعمل هذه الأحكام المشددة بمثابة أداة ردع رمزية ومادية موجهة للداخل والإقليم؛ إذ تبعث السلطات عبرها برسائل مفادها أن فتح أي ثغرة في جدار ضبط الشارع أمر غير مسموح به، خصوصاً في ظل الوضع الاجتماعي والاقتصادي الضاغط الذي تشهده البلاد.
التداعيات الجيوسياسية والدولية: إدارة ملف حقوق الإنسان
تضع هذه الممارسات ملف حقوق الإنسان في إيران مجدداً تحت مجهر المؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية، حيث تتصاعد المطالبات الموجهة إلى مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان لتفعيل أدوات التفتيش والرقابة المباشرة عبر بعثة تقصي الحقائق الدولية.
من الناحية الاستراتيجية، تدرك طهران أن تصعيد الضغوط الداخلية قد يولد انتقادات دولية إضافية، إلا أنها تحسب أن الحفاظ على التماسك الأمني الداخلي يمثل أولوية قصوى تتقدم على المكاسب الدبلوماسية المحدودة. ويرى تحليل المخاطر أن استمرار انسداد قنوات الحوار وتصعيد أساليب السيطرة التقنية والأمنية داخل السجون قد يدفع باتجاه استقطاب أعمق بين السلطة وقواعد المعارضة، مما يجعل السجون نقطة اشتعال دائمة بدلاً من كونها أداة لتحقيق الاستقرار.
الخلاصات الاستراتيجية
تُظهر قراءة الخريطة الأمنية لسجون إيران في صيف 2026 أن السلطة تعتمد نموذج إدارة الأزمات المغلق، والذي يمنح الأسبقية المطلقة للضبط الأمني الوقائي. ومع تقاطع الضغوط الاقتصادية مع الإصرار على تحييد الرموز الميدانية في المعتقلات، يظل الاستقرار الناجم عن هذه السياسات استقراراً هشاً يتوقف استمراره على قدرة الأجهزة الأمنية على تحمل التكلفة التشغيلية والسياسية المرتفعة لإدارة ملف الاحتجاز القسري على المدى الطويل.

زر الذهاب إلى الأعلى