الأخبارالمعارضة الإيرانية

من صيف الدم إلى حاضر الإعدامات

من صيف الدم إلى حاضر الإعدامات
صور لشهداء مجزرة صيف عام 1988

 

صور لشهداء مجزرة صيف عام 1988

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني :
هناك جرائم يرتكبها الحكام تحت وطأة الخوف، وأخرى ترتكب بدافع الانتقام، لكن مجزرة السجناء السياسيين في إيران خلال صيف عام 1988 تنتمي إلى فئة أشد خطرا؛ فهي جريمة ارتكبت باعتبارها عقيدة حكم، لا مجرد إجراء أمني. لقد كانت إعلانا صريحا بأن نظام ولاية الفقيه لا يرى في الإنسان سوى قيمة واحدة: مقدار خضوعه المطلق للسلطة. أما من يرفض، فمكانه المشنقة، حتى وإن كان يقضي حكما بالسجن صادرا عن محاكم النظام نفسه.
إن الوثائق التي توالت على الظهور خلال السنوات الماضية، من مذكرات حسين علي منتظري إلى المراسلات الرسمية بين كبار مسؤولي القضاء والقيادة، لم تترك مساحة للجدل بشأن المسؤول الأول عن تلك المجزرة. فالأمر لم يكن مبادرة من قاض متشدد، ولا تجاوزا من الأجهزة الأمنية، ولا حتى قرارا صاغه أحمد خميني كما حاول البعض الترويج لاحقا، بل كان قرارا اتخذه روح الله خميني شخصيا، وأصدر بشأنه فتوى واضحة، ثم تابع تنفيذها بإصرار، رافضا أي دعوة للتراجع أو حتى للتريث.
لقد جاءت الفتوى بلغة تكشف العقلية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها؛ إذ اعتبرت السجناء السياسيين الذين ظلوا متمسكين بقناعاتهم “محاربين”، وأكدت أن الرحمة بهم ضرب من السذاجة، وأن الحزم في القضاء عليهم واجب شرعي. ولم يكن المقصود محاكمة جديدة أو مراجعة قانونية، بل تصفية جماعية لآلاف السجناء الذين كانوا قد حوكموا أصلا ويقضون أحكامهم داخل السجون.
والأخطر من ذلك أن خميني لم يكتف بإصدار الفتوى، بل تدخل في تفاصيل تنفيذها. فعندما استفسر رئيس المحكمة العليا آنذاك عبد الكريم موسوي أردبيلي عن كيفية التعامل مع بعض الحالات القانونية، جاء الرد أكثر تشددا من الفتوى نفسها، مؤكدا أن كل من يتمسك بموقفه السياسي يجب أن يعدم فورا، مع التشديد على الإسراع في التنفيذ. وهكذا، تحولت العدالة إلى إجراء شكلي، وأصبحت حياة الإنسان رهنا بإجابة مختصرة أمام ما عرف لاحقا بـ”لجان الموت”.
ولم يكن اعتراض حسين علي منتظري، نائب خميني آنذاك، قادرا على إيقاف آلة القتل. فقد حذر من أن ما يجري سيكون وصمة عار تلاحق النظام والتاريخ، لكن الرد جاء برسالة مؤرخة في السادس من أغسطس/آب 1988، أعلن فيها خميني صراحة أنه يتحمل المسؤولية الشرعية كاملة عن القرار، رافضا كل التحفظات. وبهذا الاعتراف، لم يعد ممكنا لأي محاولة لاحقة أن تفصل المجزرة عن مؤسس النظام نفسه.
لقد تجاوزت المجزرة حدود الانتقام السياسي، لتصبح لحظة تأسيسية في فلسفة الحكم. فمنذ ذلك الوقت، لم يعد الإعدام مجرد عقوبة، بل تحول إلى وسيلة لإدارة المجتمع وإخماد أي معارضة. وليس من قبيل المصادفة أن كثيرا من أعضاء “لجان الموت” تولوا لاحقا أرفع المناصب في القضاء والدولة، لأن النظام لم يعتبر ما فعلوه جريمة، بل خدمة استثنائية استحقت المكافأة.
ومن يراقب إيران اليوم يدرك أن صيف 1988 لم ينته. فالإعدامات لا تزال مستمرة، والمحاكم الاستثنائية ما زالت تؤدي الدور نفسه، والاعتقالات السياسية لم تتوقف، وأجهزة الأمن لا تزال تتعامل مع المعارضين بمنطق الاستئصال لا بمنطق القانون. لقد تبدلت الأسماء والوجوه، لكن الفلسفة بقيت كما هي: سلطة ترى أن بقاءها يبرر سحق المجتمع.
إن أخطر ما تكشفه وثائق المجزرة ليس عدد الضحايا، مهما كان مروعا، بل حقيقة النظام نفسه. فهي تثبت أن ولاية الفقيه لم تبن على مفهوم الدولة أو القانون، وإنما على شرعنة العنف باسم الدين، وتحويل الفتوى إلى أداة للقتل الجماعي. ولذلك فإن من يظن أن النظام الإيراني الحالي يختلف جوهريا عن نظام عام 1988 يتجاهل حقيقة واضحة؛ فالنظام الذي لم يعترف بجريمته، ولم يحاسب مرتكبيها، بل منحهم السلطة والنفوذ، لا يمكن أن يكون قد غير طبيعته.
لقد أراد خميني أن يدفن آلاف السجناء في مقابر مجهولة، لكنه لم يدرك أن الوثائق والشهادات ستخرج تباعا لتجعل من تلك المجزرة شاهدا دائما على حقيقة المشروع الذي أسسه. ولهذا ستبقى مجزرة صيف 1988 ليست مجرد ذكرى أليمة، بل الدليل الأكثر وضوحا على أن نظام ولاية الفقيه لم يكن يوما نظاما سياسيا قابلا للإصلاح، بل منظومة قامت على الدم، ولا تزال تستمد بقاءها منه.

زر الذهاب إلى الأعلى