الأخبارالمعارضة الإيرانية

حين تكشف المشانق أين تدور المعركة الحقيقية

حين تكشف المشانق أين تدور المعركة الحقيقية
لم يعد لجوء النظام الإيراني إلى الإعدامات العلنية حدثا قضائيا

الاعدامات في ایران-
بحزاني – منى سالم الجبوري:
منذ تأسيس نظام ولاية الفقيه، درجت السلطة على ربط أزماتها الداخلية بما تصفه بـ”المؤامرات الخارجية”، محاولة إقناع الإيرانيين بأن الضغوط الدولية والحروب الإقليمية هي السبب الرئيس لمعاناتهم. غير أن الوقائع الجارية تكشف حقيقة مغايرة تماما؛ فبينما تنشغل المنطقة بتطوراتها المتسارعة، يواصل النظام حربه اليومية ضد مواطنيه، وكأن الخطر الذي يؤرقه لا يأتي من وراء الحدود، بل من داخلها.
إن التصاعد الملحوظ في تنفيذ أحكام الإعدام، ولا سيما بحق المشاركين في انتفاضة يناير 2026، يعكس بوضوح أن المؤسسة الحاكمة تنظر إلى الشارع الإيراني باعتباره التهديد الأخطر لاستمرارها. فلو كانت الأولوية فعلا لمواجهة الأخطار الخارجية، لما كرست هذا القدر الهائل من إمكاناتها الأمنية والقضائية لملاحقة المحتجين والشباب المعارضين.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن سياسة الترهيب لم تعد تحقق النتائج التي اعتادت السلطة عليها. ففي أصفهان، كما في رشت ومدن أخرى، لم تمنع المشانق المواطنين من التعبير عن رفضهم، بل دفعتهم إلى رفع أصواتهم ضد الإعدام وضد السياسات التي حولت القضاء إلى أداة للصراع السياسي. كما أن استمرار حملة “ثلاثاءات لا للإعدام” داخل السجون الإيرانية يؤكد أن الاعتراض على هذه السياسة تجاوز حدود النخب الحقوقية، وأصبح موقفا تتبناه شرائح واسعة من المجتمع.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فكلما وسع النظام دائرة القمع، ازداد اقتناع الإيرانيين بأن الأزمة لا تكمن في الضغوط الخارجية، وإنما في طبيعة السلطة نفسها. ولذلك لم تعد الإعدامات تفسر باعتبارها تطبيقا للقانون، بل بوصفها محاولة لإبطاء مسار الاحتجاجات ومنع تشكل بيئة سياسية واجتماعية أكثر جرأة في المطالبة بالتغيير.
ويبدو أن السلطة تدرك أن أخطر ما تواجهه اليوم ليس العقوبات أو التوترات الإقليمية، وإنما تراجع حاجز الخوف لدى المجتمع، ولا سيما بين الأجيال الشابة التي نشأت في ظل الأزمات المتلاحقة ولم تعد ترى في أدوات القمع سببا للتراجع عن مطالبها. ومن هنا يمكن فهم الإصرار على توظيف المشانق كرسالة سياسية قبل أن تكون حكما قضائيا.

غير أن التجارب المتراكمة خلال السنوات الأخيرة تشير إلى أن هذه الرسائل فقدت كثيرا من تأثيرها. فبدلا من أن تؤدي إلى إخماد الاحتجاجات، أصبحت تعزز الشعور بأن التغيير لن يتحقق إلا بإنهاء النهج الذي يقوم على القمع والإقصاء وإسكات الأصوات المعارضة.
إن ما يجري داخل إيران اليوم يؤكد أن مستقبل البلاد لن تحدده المواجهات الإقليمية أو الحسابات العسكرية بقدر ما ستحدده طبيعة الصراع الدائر بين مجتمع يطالب بالحرية والعدالة، وسلطة ما زالت تعتقد أن المشانق قادرة على تعويض تآكل شرعيتها. لكن التاريخ يبين أن الأنظمة التي تجعل من الخوف أساسا للحكم قد تنجح في تأجيل الأزمات، إلا أنها تعجز في النهاية عن منع لحظة التغيير عندما يصبح المجتمع أكثر قوة من أدوات القمع.

زر الذهاب إلى الأعلى