الأخبارالمعارضة الإيرانية

كيف تحوّل العراق إلى وطن من زجاج؟

كيف تحوّل العراق إلى وطن من زجاج؟
يهدد السلاح المنفلت والولاءات الخارجية سيادة العراق

ایلاف – نزار جاف:
يهدد السلاح المنفلت والولاءات الخارجية سيادة العراق، ويجعلان استعادة القرار الوطني واحتكار الدولة للقوة شرطين لبناء دولة مستقرة وقوية.
يعيش العراق اليوم واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا منذ عام 2003، إذ يبدو وكأنه يدور في حلقة مفرغة من الأزمات التي تتجدد باستمرار، دون أن تلوح في الأفق حلول حقيقية. فبينما يمتلك البلد إمكانات بشرية واقتصادية هائلة، فإن استمرار هيمنة الميليشيات المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني جعله عرضة لهزات سياسية وأمنية متكررة، حتى غدا أشبه بـ”وطن من زجاج”، هشًا أمام أي تصعيد داخلي أو إقليمي.

ولم يعد نشاط هذه الميليشيات مقتصرًا على الداخل العراقي، بل امتد إلى دول الجوار عبر هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، الأمر الذي أدخل العراق في أزمات دبلوماسية وأمنية مع محيطه العربي والإقليمي. والأسوأ من ذلك أن هذه العمليات تُنفذ خارج إطار الدولة، بما يضع العراق في مواجهة تبعات قرارات لم تصدر عن مؤسساته الرسمية، ويقوّض سيادته وهيبته.

هذا الواقع يعكس ازدواجية خطيرة في السلطة، حيث أصبحت الدولة عاجزة عن احتكار السلاح أو فرض سيادة القانون. فكل اعتداء تنفذه تلك الجماعات ينعكس مباشرة على صورة العراق ومصالحه، ويجعله يدفع أثمانًا سياسية واقتصادية وأمنية، بالرغم من أن القرار لا يصدر عن الحكومة العراقية.

ولم يكن هذا الوضع وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مشروع إيراني اعتمد، منذ سنوات، على إنشاء أذرع مسلحة تدين بالولاء لولاية الفقيه أكثر من ولائها للدولة العراقية. ومع كل أزمة يواجهها النظام الإيراني، تتزايد مخاوف العراقيين من أن يتحول بلدهم إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وأن يُستخدم كورقة ضغط في صراعات لا تخدم مصالحه الوطنية.

إن أخطر ما في الأمر أن استمرار هذا النهج يهدد مستقبل العراق نفسه، لأن الدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم تبقى معرضة للاهتزاز مع كل تطور إقليمي، كما أن الاستثمار والتنمية وإعادة بناء المؤسسات لا يمكن أن تزدهر في بيئة يسودها السلاح المنفلت، وتغيب فيها سلطة القانون.

ومن هنا، فإن حماية العراق لا تبدأ فقط بإدانة الاعتداءات التي تنفذها الميليشيات، بل باستعادة الدولة لقرارها السيادي، وتجريد الجماعات المسلحة من قدرتها على فرض أجنداتها بالقوة. فالدولة القوية لا يمكن أن تتعايش مع مراكز قرار موازية، ولا أن تسمح بأن يكون أمنها القومي رهينة لحسابات خارجية.

لقد أثبتت التجارب أن أي اعتداء تنفذه هذه المجموعات لا يحقق مصلحة للعراق، بل يزيد من عزلته، ويعمق أزماته الداخلية والخارجية. ولذلك، فإن الحفاظ على أمن البلاد واستقرارها يتطلب إنهاء ظاهرة السلاح خارج الدولة، وترسيخ مبدأ أن القرار الوطني يجب أن يُصنع في بغداد وحدها، لا في أي عاصمة أخرى.

أما الرد السعودي الأخير، فقد جاء بعد فترة طويلة من ضبط النفس، عكست حرص المملكة على صون الروابط التاريخية والعلاقات الأخوية التي تجمعها بالعراق، وتجنب الانجرار إلى ردود فعل انفعالية قد تزيد من تعقيد المشهد. غير أن هذا الرد حمل، في الوقت نفسه، رسالة واضحة مفادها أن الميليشيات التابعة لإيران قد تجاوزت الخطوط الحمراء، وطرقت الباب الخطأ، وأن استمرار عجز الحكومة العراقية عن كبح جماح تلك الجماعات المسلحة لن يبقى من دون تبعات، بل سيجعل الدولة العراقية نفسها تتحمل كلفة هذا العجز على المستويين السياسي والدبلوماسي.

والواقع أن العراق، في سعيه إلى تحقيق توازن في علاقاته بين الولايات المتحدة الأميركية والنظام الإيراني، لم يحقق حتى الآن النجاح المنشود. فلم يُفضِ هذا النهج إلى نتائج واضحة، فضلاً عن أن يبلغ مستوى الحسم، بل إن وضعه يكاد يجسد المثل العراقي القائل: “لا حظت برجيلها ولا خذت سيد علي”، في إشارة إلى الإخفاق في تحقيق أي من الخيارين. ولعل هذا التردد في رسم سياسة خارجية تستند إلى المصالح الوطنية العليا، وما ترتب عليه من غموض في تحديد بوصلة القرار السيادي، كان من أبرز العوامل التي أسهمت في إضعاف الدولة العراقية، وأفقدتها جانبًا مهمًا من هيبتها وسيادتها.

وعندما يعلن مكتب رئيس الوزراء العراقي أن العراق حريص على البقاء بمنأى عن الصراعات الإقليمية، وأن التعاطي مع أي اعتداءات أو هجمات هو مسؤولية حصرية للحكومة ومؤسسات الدولة الدستورية، فإنه لا يأتي بجديد، بل يكرر خطابًا طالما ردده رؤساء الحكومات المتعاقبون. غير أن المشكلة لا تكمن في إطلاق التصريحات أو إعلان المواقف، وإنما في القدرة على ترجمتها إلى إجراءات عملية تكرّس احتكار الدولة لقرارها الأمني والعسكري، وتثبت على أرض الواقع أن السلطة الشرعية وحدها هي صاحبة القرار في السلم والحرب.

فالعراق يستحق أن يكون وطنًا قويًا يحمي شعبه، ويصون علاقاته مع جيرانه، لا ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين. وهذه هي المعركة الحقيقية التي ستحدد ما إذا كان سيبقى “وطنًا من زجاج”، أم يستعيد مكانته دولة ذات سيادة كاملة.

زر الذهاب إلى الأعلى