Uncategorizedالأخبارالمعارضة الإيرانية

الحرية لا تهبط من السماء، بل تولد من إرادة الشعوب ونضالها

 


بحزاني – منى سالم الجبوري:
على مدى أكثر من أربعة عقود، تعاملت القوى الغربية مع النظام الإيراني بمنطق يقوم على احتواء الأزمة لا حلها، وعلى تأجيل المواجهة بدلا من معالجة جذورها. وكانت النتيجة سلسلة من الاتفاقات والتفاهمات التي لم تغير من طبيعة النظام، بل منحته فرصا جديدة لإعادة إنتاج أزماته وتوسيع نفوذه. ومن هنا تكتسب الملاحظات التي طرحها وزير الدفاع البريطاني الأسبق الدكتور ليام فوكس أهمية خاصة، لأنها لا تكتفي بتشخيص إخفاق الاتفاق النووي لعام 2015، بل تضع الإصبع على جوهر المشكلة: استحالة الرهان على إصلاح نظام يقوم بقاؤه على القمع والتوسع والأزمات.
لقد كشف الاتفاق النووي، الذي قدم حينها باعتباره إنجازا دبلوماسيا، عن ثغرات قاتلة. فقد أفرج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة من دون أي التزام حقيقي من النظام بتغيير سلوكه، بينما لم ينه برنامجه النووي، وإنما جرى تأجيل بعض مراحله. والأسوأ من ذلك أن ملف حقوق الإنسان غاب تماما عن المعادلة، وكأن آلاف الإعدامات والاعتقالات والتعذيب شأن داخلي لا يستحق الوقوف عنده.
ولم يكن من الصعب التنبؤ بنتائج هذه السياسة. فالأموال التي تدفقت إلى خزائن النظام لم تخصص لتحسين حياة الإيرانيين الذين كانوا يعانون من الفقر والتضخم، وإنما استثمرت في تعزيز الحرس الثوري، وتطوير الصواريخ والطائرات المسيرة، وتمويل الميليشيات التابعة لطهران في العراق ولبنان واليمن وسوريا، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أمن المنطقة واستقرارها.
لكن المفارقة الأكثر إثارة للانتباه هي أن جزءا كبيرا من العالم الغربي، الذي يرفع شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان، ظل يتعامل مع النظام الإيراني بازدواجية واضحة. ففي الوقت الذي تنظم فيه مظاهرات أسبوعية تضامنا مع قضايا متعددة، نادرا ما يشهد العالم تحركات مماثلة احتجاجا على الإعدامات الجماعية أو قمع النساء أو ملاحقة المعارضين في إيران، وكأن الشعب الإيراني لا يستحق التضامن ذاته الذي تحظى به شعوب أخرى.
ومن هنا تأتي أهمية ما أكده الدكتور ليام فوكس من أن الأزمة الإيرانية ليست أزمة يمكن حلها عبر جولة جديدة من المفاوضات أو اتفاق معدل، وإنما هي أزمة بنيوية ترتبط بطبيعة النظام نفسه. فالنظام الذي يجعل من تصدير الأزمات جزءا من فلسفة بقائه لا يستطيع أن يتحول إلى شريك للاستقرار بمجرد توقيع وثيقة سياسية.
غير أن الحديث عن تغيير النظام لا يكتمل إلا بالإجابة عن السؤال الأهم: من سيحقق هذا التغيير؟ وهنا تظهر الحلقة التي كثيرا ما يجري تجاهلها في النقاشات الدولية، وهي وجود مقاومة إيرانية منظمة تمتلك مشروعا سياسيا وشبكة واسعة من النشاط داخل البلاد، إلى جانب قاعدة شعبية تتجلى في الانتفاضات المتكررة ووحدات المقاومة التي تواصل تحدي أجهزة القمع رغم الاعتقالات والإعدامات.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الشارع الإيراني لم يعد يقبل بالعودة إلى ما قبل الاحتجاجات، وأن شعاراته تجاوزت المطالب الاقتصادية لتطالب بإسقاط النظام نفسه. كما أثبتت المقاومة الإيرانية، بقيادة السيدة مريم رجوي، أنها ليست مجرد معارضة في المنفى، بل تقدم رؤية متكاملة لإيران تقوم على الجمهورية الديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإقامة علاقات سلمية مع دول الجوار والعالم.
ولهذا فإن الرهان على الشعب الإيراني ومقاومته يختلف جذريا عن الرهان على التدخل العسكري أو على الصفقات الدبلوماسية. فالتغيير الحقيقي لا يستورد من الخارج، وإنما يصنعه أبناء الوطن عندما تتوافر لهم الظروف السياسية والدعم الدولي اللازم. وهذا ما شدد عليه الدكتور فوكس عندما أكد أن الحرية لا تهبط من السماء، بل تولد من إرادة الشعوب ونضالها.
إن النظام الإيراني، كلما ازداد ضعفا، أصبح أكثر ميلا إلى التصعيد، سواء عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز أو من خلال استخدام أذرعه المسلحة في البحر الأحمر والعراق ولبنان. ولذلك فإن احتواء هذه المخاطر لا يكون بتقديم تنازلات جديدة، بل بحرمان النظام من أدوات الابتزاز، وبالوقوف إلى جانب الشعب الإيراني الذي يدفع يوميا ثمن مقاومته للاستبداد.
لقد أثبتت تجربة العقود الماضية أن سياسة الاسترضاء لم تنتج سوى مزيد من الأزمات، وأن الاتفاقات المرحلية لم تمنع المشروع النووي، ولم توقف الإرهاب، ولم تُحسن أوضاع حقوق الإنسان. أما البديل الواقعي، فهو دعم حق الإيرانيين في تقرير مصيرهم، والاعتراف بأن المقاومة الإيرانية تمثل اليوم العامل الأكثر تأثيرا في معادلة التغيير، لأنها تجمع بين البرنامج السياسي والتنظيم الميداني والامتداد الشعبي.
إن مستقبل إيران، وبالتالي مستقبل الأمن في الشرق الأوسط، لن تحدده جولات تفاوض جديدة، بل سيحدده الشعب الإيراني عندما يتمكن من تحويل نضاله إلى واقع سياسي. وعندها لن تكون ولادة إيران الحرة انتصارا للإيرانيين وحدهم، بل بداية مرحلة جديدة تنتهي فيها عقود من تصدير الأزمات، ويصبح السلام والاستقرار في المنطقة أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.

زر الذهاب إلى الأعلى