حين تتحول أزمة النظام الإيراني إلى معادلة بلا حلول

تدخلات نظام الایراني في مختلف الدول-
صوت العراق – منى سالم الجبوري:
لم تعد الأزمة التي يواجهها النظام الإيراني مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية يمكن احتواؤها بإجراءات مؤقتة، بل تحولت إلى أزمة عميقة تمس قدرته على الاستمرار. فالنظام الذي اعتمد طوال عقود على القمع وتصدير الأزمات إلى الخارج، يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف، حيث تتراكم الضغوط الداخلية وتتسع الفجوة بين السلطة والمجتمع، في وقت تتزايد فيه الخلافات داخل مراكز القرار.
لقد حاولت المؤسسة الحاكمة استثمار المواجهات الخارجية لتقديم صورة توحي بالقوة والتماسك، إلا أن التطورات اللاحقة كشفت أن تلك الصورة لا تعكس حقيقة الوضع الداخلي. فبدلا من أن تؤدي الأزمات الخارجية إلى توحيد أجنحة النظام، كشفت عن صراعات متزايدة بين مراكز النفوذ حول كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة، وعن عجز واضح في الوصول إلى رؤية مشتركة تضمن استمرار النظام بنفس الأدوات التي اعتمد عليها سابقا.
وتتضاعف هذه المعضلة مع انتقال القيادة في ظروف استثنائية، حيث لم تعد السلطة تمتلك القدرة نفسها التي كانت متوفرة في السابق لفرض الانضباط داخل مؤسساتها. فغياب الإجماع الداخلي وتراجع هيبة القيادة الجديدة جعلا الصراعات بين مختلف الأجنحة أكثر وضوحا، وأصبح الخلاف لا يتعلق فقط بالسياسات، بل بطبيعة الطريق الذي ينبغي أن يسلكه النظام للبقاء.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في صراعات السلطة وحدها، وإنما في المجتمع الإيراني الذي راكم خلال عقود طويلة أسباب الغضب والرفض. فالأزمات الاقتصادية المتفاقمة، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، إضافة إلى القمع المستمر والإعدامات، كلها عوامل جعلت حالة الاحتقان الشعبي أكثر عمقا، وحولت المجتمع إلى قوة يصعب إخضاعها بالوسائل الأمنية وحدها.
إن التجربة الإيرانية أثبتت أن أي تغيير حقيقي لا يمكن أن يأتي من خارج المجتمع، بل من تفاعل الإرادة الشعبية مع وجود قوة سياسية منظمة قادرة على تحويل حالة الرفض إلى مشروع تغيير. ومن هنا تبرز أهمية المقاومة المنظمة التي تعمل على ربط الاحتجاجات الشعبية برؤية سياسية واضحة، وتسعى إلى نقل الغضب المتراكم من مرحلة التعبير عن السخط إلى مرحلة الفعل المؤثر.
ولهذا يواصل النظام تشديد قبضته الأمنية، لأنه يدرك أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في الاحتجاجات الآنية فقط، وإنما في وجود بيئة شعبية وقوى منظمة قادرة على استثمار الأزمات المتراكمة. فالقمع قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يلغي أسبابه، بل يزيد من عمق الأزمة ويقرب لحظة المواجهة بين السلطة والمجتمع.
وفي الوقت نفسه، يواصل النظام استنزاف موارد البلاد في المشاريع العسكرية والتدخلات الإقليمية، بينما تتراجع قدرة الاقتصاد على تلبية أبسط احتياجات المواطنين. وهذه المفارقة تكشف أن النظام غير قادر على إجراء إصلاحات حقيقية، لأن أي انفتاح سياسي أو اقتصادي جاد قد يهدد الأسس التي يقوم عليها.
إن تزامن الانقسامات داخل هرم السلطة مع تصاعد الغضب الشعبي ووجود مقاومة منظمة تمتلك رؤية للتغيير، يجعل الأزمة الإيرانية أزمة وجودية بكل معنى الكلمة. فالمستقبل لن تحدده قدرة النظام على تأجيل أزمته، بل قدرة المجتمع الإيراني على فرض واقع جديد ينهي مرحلة الاستبداد ويفتح الطريق أمام دولة تقوم على إرادة المواطنين.