عندما يعجز النظام الکهنوتي عن إدارة أزماته

صور للفقر المدقع في ایران-
الحوار المتمدن- سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
ليست المرة الأولى التي يشهد فيها النظام الإيراني خلافات داخلية بين أجنحته، لكن ما يجري اليوم يختلف من حيث الطبيعة والعمق عن كل ما سبقه. فالخلافات التي خرجت إلى العلن لم تعد تدور حول توزيع النفوذ أو إدارة الملفات التنفيذية، وإنما باتت تمس الأسس التي قام عليها النظام نفسه، في وقت يواجه فيه ضغوطا داخلية وخارجية غير مسبوقة، الأمر الذي يجعل من هذه الانقسامات مؤشرا على أزمة بنيوية يصعب احتواؤها بالوسائل التقليدية التي اعتاد النظام اللجوء إليها.
لقد اعتمدت هذا النظام طوال عقود على معادلة ثابتة قوامها القبضة الأمنية، والهيمنة المطلقة للولي الفقيه، وتوظيف الأزمات الخارجية لإعادة إنتاج التماسك الداخلي. غير أن هذه المعادلة بدأت تفقد فاعليتها تدريجيا مع تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وصولا إلى اللحظة الراهنة التي أصبحت فيها مؤسسات النظام نفسها تعكس حجم التصدع الذي يعتري بنيته السياسية.
ولعل أكثر ما يكشف عمق هذه الأزمة هو الجدل الذي رافق انتقال منصب الولي الفقيه إلى مجتبى خامنئي. فبعيدا عن تفاصيل الإجراءات التي أحاطت بهذه العملية، فإن مجرد استمرار التشكيك داخل أوساط النظام بشرعية هذا الانتقال يعكس أن المؤسسة التي كانت تمثل المرجعية العليا لحسم الخلافات لم تعد تحظى بالإجماع الذي تمتعت به في السابق. وهذا التطور لا يمثل أزمة شخصية بقدر ما يعبر عن اهتزاز أحد أهم مرتكزات نظام ولاية الفقيه.
في المقابل، لا تبدو الساحة الإيرانية مستعدة لمنح السلطة فرصة جديدة. فالأزمات المعيشية الخانقة، والتضخم المتصاعد، واتساع رقعة الفقر، وتراجع الخدمات الأساسية، كلها عوامل راكمت حالة من الاحتقان الشعبي لم تعد قابلة للاحتواء بالشعارات أو بالوعود الرسمية. وقد أثبتت الانتفاضات المتعاقبة أن المجتمع الإيراني تجاوز مرحلة الاحتجاج العابر، وأصبح أكثر استعدادا للعودة إلى الشارع كلما توفرت الظروف المناسبة.
وما يزيد من قلق السلطة أن هذا الغضب الشعبي لم يعد يفتقر إلى التنظيم. فالمعارضة الإيرانية، وفي مقدمتها منظمة مجاهدي خلق، استطاعت عبر وحدات المقاومة أن تحافظ على حضورها داخل المشهد الداخلي، وأن تستثمر حالة السخط الشعبي في توسيع نشاطها، وهو ما يفسر التركيز المتزايد للأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام الرسمية على التحذير من دورها، إدراكا منها أن أخطر ما يمكن أن تواجهه السلطة ليس الاحتجاجات بحد ذاتها، وإنما تحولها إلى حراك سياسي منظم يمتلك قيادة وأهدافا واضحة.
ومن هنا، يمكن فهم حدة الصراع داخل أجنحة النظام. فهناك من يرى أن استمرار النهج الحالي سيقود إلى مزيد من العزلة والانفجار الداخلي، ويدعو إلى تخفيف حدة التوتر وإجراء مراجعات سياسية واقتصادية. وفي المقابل، يتمسك التيار المتشدد بخيار التصعيد، انطلاقا من قناعته بأن أي مرونة ستفسر على أنها علامة ضعف، وستشجع المجتمع على المضي نحو مواجهة أشمل مع السلطة. وبين هذين الاتجاهين، تبدو القيادة عاجزة عن بلورة استراتيجية موحدة، وهو ما ينعكس ارتباكا في القرار السياسي وتناقضا في الخطاب الرسمي.
إن أخطر ما يواجه النظام الإيراني اليوم لا يكمن في العقوبات أو الضغوط الخارجية وحدها، وإنما في تزامن أزمة الشرعية مع الانقسام الداخلي، والتدهور الاقتصادي، واستمرار حالة الغليان الشعبي، فضلا عن تراجع فاعلية الأدوات التي اعتمد عليها النظام لعقود في فرض الاستقرار. وعندما تتآكل ركائز الحكم في الوقت نفسه، فإن قدرة أي سلطة على استعادة توازنها تصبح محدودة للغاية.
لذلك، فإن السؤال لم يعد يتعلق بوجود أزمة داخل النظام الإيراني، فهذه حقيقة باتت واضحة حتى من خلال تصريحات مسؤوليه، وإنما بمدى قدرة هذا النظام على وقف مسلسل التآكل الذي يضرب مؤسساته من الداخل. وحتى الآن، لا تبدو المؤشرات توحي بأن السلطة تمتلك حلولا حقيقية، بل إنها تبدو منشغلة بإدارة نتائج الأزمة أكثر من انشغالها بمعالجة أسبابها، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التصعيد، ويضع نظام ولاية الفقيه أمام أصعب اختبار واجهه منذ قيامه عام 1979.