لماذا يخشى نظام الملالي السلام أكثر من الحرب؟

الاحتجاجات الشعبیةداخل ایران –
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
ليست الحرب بالنسبة إلى نظام ولاية الفقيه مجرد أداة للدفاع عن مصالحه الإقليمية، بل أصبحت منذ تأسيسه جزءا من آلية بقائه. فكلما اشتدت أزماته الداخلية، اتجه إلى تصعيد التوترات الخارجية، لأن استمرار الصراع يمنحه فرصة لتبرير القبضة الأمنية، وتأجيل الاستحقاقات السياسية والاقتصادية، وإسكات الأصوات المعارضة تحت شعار مواجهة “العدو”.
هذه الحقيقة تفسر لماذا تكتسب الذكرى الثامنة والثلاثون لقبول خميني قرار مجلس الأمن رقم 598 أهمية تتجاوز بعدها التاريخي، ففي يوليو/تموز 1988، اضطر مؤسس نظام الجمهورية الإسلامية إلى إنهاء الحرب مع العراق بعد سنوات من رفض جميع المبادرات الدولية، واصفا قراره بأنه أشبه بـ”تجرع كأس من السم”. ولم يكن ذلك تعبيرا بلاغيا، بل اعترافا مرا بأن النظام وصل إلى مرحلة لم يعد قادرا فيها على تحمل كلفة استمرار الحرب.
فبعد استعادة الأراضي الإيرانية المحتلة، لم تعد الحرب بالنسبة إلى القيادة الإيرانية معركة دفاع عن الوطن، وإنما وسيلة للحفاظ على تماسك السلطة. وكان إنهاؤها يعني مواجهة اقتصاد منهك، وخسائر بشرية جسيمة، وتنامي حالة السخط الشعبي، وهي تحديات سعت القيادة إلى تأجيلها عبر إدامة أجواء التعبئة العسكرية.
لكن الوقائع أثبتت أن استمرار الحرب لم يعد يحمي النظام، بل أصبح يهدد وجوده، الأمر الذي أجبر خميني على التراجع رغم كل شعاراته السابقة. وهنا تكمن دلالة تلك المحطة؛ فهي كشفت أن النظام لا يتخلى عن سياساته إلا عندما يشعر بأن بقاءه أصبح على المحك.
وبعد ثمانية وثلاثين عاما، تبدو إيران وكأنها تواجه المعضلة نفسها، وإن اختلفت الظروف. فالضغوط الاقتصادية تتفاقم، والانقسامات داخل هرم السلطة تتسع، بينما يتزايد الاحتقان الشعبي في ظل تراجع مستويات المعيشة واستمرار الأزمات السياسية. وفي مثل هذا الواقع، لا يبدو السلام خيارا مريحا بالنسبة إلى السلطة، لأنه يرفع الغطاء عن أزماتها الداخلية ويجعلها في مواجهة مباشرة مع مطالب المجتمع.
لذلك، يحرص النظام على إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون نتائجها كارثية عليه. إنها سياسة تقوم على إدارة الأزمات لا حلها، وعلى استخدام الصراع الخارجي وسيلة لإطالة عمر النظام، لا لتحقيق استقرار دائم.
غير أن تجربة عام 1988 تقدم درسا لا يزال صالحا حتى اليوم، وهو أن الأزمات الخارجية لا تستطيع إلى ما لا نهاية حجب الأزمات الداخلية. فعندما تتراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تصبح قدرة أي نظام على الهروب إلى الأمام محدودة، مهما امتلك من أدوات القمع أو وسائل التصعيد.
ومن هنا، فإن مستقبل إيران لن تحدده المواجهات العسكرية أو المفاوضات الدولية وحدها، بل سيتوقف بدرجة أكبر على ما يجري داخل البلاد. فالتاريخ يبين أن التحولات الكبرى تبدأ عندما تعجز السلطة عن استخدام الأزمات الخارجية ستارا لإخفاء أزماتها الداخلية. وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تحمله ذكرى يوليو/تموز 1988؛ إذ أثبتت أن السلام كان بالنسبة إلى النظام تهديدا سياسيا، وأن مصدر الخطر الحقيقي على بقائه ظل، وسيظل، كامنا في الداخل الإيراني أكثر من أي مواجهة خارجية.