إرث خوف لم يدفن

جنازة الملا علی خامنئي-
بحزاني – منى سالم الجبوري:
رحيل الحكام لا يعني دائما نهاية المراحل التي صنعوها، فبعض الزعماء يغادرون المشهد لكنهم يتركون وراءهم أنظمة مثقلة بجراح عميقة وملفات مفتوحة لا تستطيع السنوات إغلاقها. وهذا ينطبق على علي خامنئي الذي ارتبط اسمه لأكثر من ثلاثة عقود بمسار سياسي جعل من بقاء السلطة أولوية تتقدم على الدولة والقانون وحقوق المواطنين. فحتى لو غاب الرجل عن موقع القرار، فإن الإرث الذي خلفه لن يختصر في مواقفه النووية أو صراعاته الإقليمية، بل سيبقى مرتبطا بمنظومة الخوف التي أنشئت وترسخت خلال عهده.
لقد كان خامنئي أكثر من مجرد مرشد أعلى يدير توازنات داخلية وخارجية؛ فقد كان أحد أبرز مهندسي بنية الحكم التي قامت على تركيز السلطة في يد مؤسسة الولي الفقيه، وإضعاف أي مراكز مستقلة يمكن أن تشكل تحديا لها. فمنذ وصوله إلى موقع القيادة عام 1989، عمل على بناء شبكة معقدة من المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي جعلت الحرس الثوري والأجهزة التابعة للمرشد العمود الفقري لبقاء النظام.
غير أن قوة القبضة الأمنية لم تكن دليلا على قوة النظام بقدر ما كشفت عن حجم خوفه من المجتمع. فخلال العقود الماضية، لم تتوقف موجات الاحتجاج التي عبرت عن اتساع الفجوة بين السلطة والشعب. من احتجاجات الطلبة عام 1999، إلى انتفاضة 2009، مرورا باحتجاجات الأعوام 2017 و2019، وصولا إلى احتجاجات 2022 وما بعدها، ظل الرد الرسمي يعتمد على القمع والاعتقالات والمحاكمات الأمنية، بدلا من معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي دفعت الناس إلى الشوارع.
ويبقى ملف حقوق الإنسان أحد أثقل الأعباء التي سترافق إرث خامنئي. فمجازر السجناء السياسيين عام 1988، والإعدامات الواسعة، واستخدام القضاء كأداة لترهيب المعارضين، كلها تحولت إلى صفحات دامية في تاريخ إيران الحديث. فالمشكلة لم تكن فقط في حجم الانتهاكات، بل في تكريس ثقافة سياسية تعتبر القضاء على الخصوم وسيلة مشروعة لحماية السلطة.
وفي الوقت نفسه، امتد نموذج السيطرة إلى خارج الحدود، حيث اعتمد النظام على بناء شبكة من القوى المسلحة الحليفة في المنطقة كجزء من استراتيجيته لتعزيز النفوذ والردع. إلا أن هذه السياسة، بدلا من أن تمنح إيران استقرارا دائما، زادت من عزلتها الدولية وربطت اسمها بالأزمات الإقليمية والتوترات الأمنية.
أما على الصعيد الداخلي، فقد تركت سياسات احتكار الثروة وتغليب المؤسسات المرتبطة بمراكز القوة على الاقتصاد الوطني نتائج ثقيلة على المجتمع الإيراني. ففي الوقت الذي راكمت فيه جهات نافذة إمكانات مالية ضخمة، واجه المواطنون ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات وتدهور الظروف المعيشية. وهكذا تحولت الأزمة الاقتصادية من مشكلة معيشية إلى أزمة ثقة عميقة بين المجتمع والنظام.
لكن أكثر ما يكشف هشاشة هذا النموذج هو أن عقود القمع لم تنجح في إنهاء المطالب بالتغيير. فقد بقيت المعارضة حاضرة، واستمرت الأجيال الجديدة في طرح أسئلة تتجاوز الإصلاحات الجزئية إلى طبيعة النظام نفسه. وهذا يعني أن المشكلة لم تكن مرتبطة بشخص خامنئي فقط، بل بالبنية التي أسسها والتي جعلت الخوف أداة للحكم.
قد يدفن الحاكم، وقد تغلق أبواب القصر الذي حكم منه، لكن إرث الخوف لا يدفن بسهولة. فالضحايا وذكرياتهم، والجرائم التي تنتظر العدالة، والأسئلة التي يطرحها المجتمع حول مستقبله، كلها تبقى شاهدة على مرحلة لم تنته بمجرد غياب صاحبها. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الحكام فقط، بل يحفظ أيضا آثارهم في حياة الشعوب. وفي حالة خامنئي، فإن الاختبار الحقيقي ليس كيف سيذكر بعد رحيله، بل كيف ستتعامل إيران مع إرث ترك وراءه بلدا يبحث عن طريق للخروج من دائرة الخوف.