بين خنق العقوبات وتفسخ المنظومة الأمنية لدى ملالي إيران

وكالة حمورابي الاخبارية الدولية-
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي
مسارات انهيار النظام الإيراني..
في الوقت الذي يراقب فيه المجتمع الدولي تطورات الملف النووي الإيراني.. تتشكل في الداخل الإيراني ديناميكية جديدة تتجاوز التوقعات التقليدية؛ إذ أصبحت العقوبات الدولية التي كان النظام يراهن على تفكيكها عبر المماطلة؛ أصبحت عاملاً مساعداً في تسريع وتيرة تآكل بنية سلطته. إن الربط بين الضغط الاقتصادي الخارجي والنشاط النوعي لـ “وحدات المقاومة” في داخل إيران ليمثل اليوم المعادلة الأصعب التي يواجهها النظام، وهي معادلة تهدد بإحداث تحول جذري في استراتيجيات طهران الإقليمية لا سيما في ملف مضيق هرمز.
العقوبات الاقتصادية.. محفز غير مباشر للنشاط الميداني
خلافاً للتحليلات التي ترى في العقوبات مجرد وسيلة لتقليص قدرات النظام المالية تشير المعطيات الميدانية إلى أنها أصبحت وقوداً للحراك الاحتجاجي. إن انهيار العملة وتآكل القدرة الشرائية بفعل العقوبات قد خلقا معا بيئة شعبية ناقمة أدت إلى توسيع القاعدة الاجتماعية لـ “وحدات المقاومة”.. هذه الوحدات لا تعتمد على إمكانيات خارجية بل تستمد قوتها من الاستنزاف الذاتي للنظام؛ حيث توفر الأزمات الاقتصادية حاضنة شعبية تتيح لهذه الوحدات حرية الحركة والعمل في بيئة ترفض بقاء الوضع القائم.. كذلك لم تعد العقوبات بهذا المعنى عامل محاصرة للنظام فحسب بل بدأت تفتت شرعيته وهيبته في الشارع، وتمنح قوى المقاومة تفوقاً نوعياً في المواجهة الميدانية.
أزمة مضيق هرمز.. ورهان التهديد ضد حتمية البقاء
بينما يلوح النظام في طهران بورقة إغلاق مضيق هرمز كخيار استراتيجي لمواجهة الضغوط تكشف التحليلات الاستراتيجية أن هذا التهديد هو في حقيقته فخ جيوسياسي نصبه النظام لنفسه.. وإن أي محاولة لتعطيل الملاحة الدولية لا تعني فقط مواجهة عسكرية مع القوى العظمى بل تعني الحرمان النهائي من العائدات النفطية التي تشكل شريان الحياة المالي للأجهزة الأمنية. إن هذا “الانتحار الاقتصادي” هو ما يفسر التردد الإيراني؛ فالنظام يدرك أن الحفاظ على استمرارية تدفق النفط هو الضمانة الوحيدة لتأخير انفجار السخط الشعبي، وبالتالي فإن أمن المضيق أصبح مرتبطاً بشكل عضوي بمدى قدرة وحدات المقاومة على زعزعة الاستقرار في مراكز القرار الداخلي.
تقاطع المسارات.. من الداخل إلى الممرات المائية
إن ما كشفته التقارير الاستخباراتية عن اختراق المربع الأمني ووصول المقاومة إلى عمق العاصمة يغير جذرياً قواعد اللعبة؛ فوجود قوة ميدانية منظمة وقادرة على تنفيذ عمليات نوعية في 31 محافظة يعني أن النظام لم يعد يمتلك “رصانة أمنية” للانشغال بتهديد الملاحة الدولية.. فعندما يواجه النظام تهديداً وجودياً في عقر داره تضطر قياداته إلى إعادة ترتيب أولوياتها حيث تصبح حماية المركز (طهران) أولوية مطلقة على حساب استعراض القوة في الخارج، وهذا الانحسار في القدرة على المناورة يضعف تدريجياً من نفوذ إيران في مضيق هرمز، ويجعل من أي مغامرة عسكرية هناك خطوة قد تؤدي إلى انهيار منظومة النظام بالكامل.
مآلات المواجهة.. وحتمية التغيير
إن الخلاصة التي تفرض نفسها هي أن النظام الإيراني بات محاصراً بين كماشتين: العقوبات الاقتصادية التي تقوض قاعدته الشعبية وتمنح المعارضة زخماً ميدانياً.. بالإضافة إلى وحدات المقاومة التي باتت تشكل تهديداً أمنياً مباشراً لمراكز القوة.. كما لم تعد المماطلة الدبلوماسية التي يتبعها نظام الملالي سوى محاولة أخيرة لإرجاء لحظة المواجهة الحتمية، وفي هذا السياق تظهر احتمالات تغيير ميزان القوى كمتغير لا يمكن استبعاده؛ والسقوط المفاجئ للأنظمة الشمولية في ظل هكذا ظروف هو القاعدة وليس الاستثناء في تاريخنا السياسي المعاصر. إن المرحلة القادمة ستثبت أن استقرار مضيق هرمز وأمن الإقليم مرهونان بإنهاء التوتر الداخلي في إيران، وأن البديل الديمقراطي المنظم الذي بدأ يفرض حضوره على الأرض هو وحده الكفيل بتحويل إيران من دولة مصدرة للأزمات إلى شريك دولي فاعل يحترم القانون الدولي ويضمن استقرار الملاحة العالمية بعيداً عن سياسات التهديد والابتزاز.