كيف يعرقل النظام الإيراني استعادة الدولة؟

صوت العراق – منى سالم الجبوري:
تكشف التطورات التي أعقبت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن عن حقيقة لم تعد قابلة للإخفاء، وهي أن أكبر العقبات التي تواجه استقرار العراق واستعادة قراره الوطني لا تكمن في الخلافات السياسية الداخلية بقدر ما ترتبط باستمرار النفوذ الإيراني الذي ما زال يحاول إبقاء بغداد ضمن دائرة التبعية السياسية والأمنية.
فالزيارة التي أسفرت عن تفاهمات اقتصادية واستثمارية ضخمة، قدرت بنحو ستين مليار دولار، فتحت أمام العراق فرصة حقيقية لمعالجة أزماته المزمنة في الطاقة والبنية التحتية والتنمية. إلا أن هذه الفرصة سرعان ما اصطدمت بردود فعل غاضبة داخل القوى المرتبطة بطهران، وهو ما يؤكد أن النظام الإيراني ينظر إلى أي انفتاح عراقي على العالم من زاوية تأثيره على نفوذه، وليس من زاوية مصلحة العراق وشعبه.
ولم يكن مستغربا أن تصدر تصريحات إيرانية تنتقد الزيارة، بل وتقلل من شأن رئيس الحكومة العراقية، في مشهد يعكس استمرار العقلية الوصائية التي يتعامل بها النظام الإيراني مع العراق. فبدل أن يحترم سيادة دولة جارة وحقها في تنويع علاقاتها الدولية، اختار توجيه رسائل سياسية هدفها ممارسة الضغط على بغداد وإظهار حدود الحركة المسموح بها للحكومة العراقية.
وتتجاوز المشكلة حدود التصريحات السياسية إلى ملفات أكثر خطورة، وفي مقدمتها قضية السلاح المنفلت، حيث إنه ومنذ سنوات، ارتبطت معظم الأزمات الأمنية التي عطلت الاستثمار وأجبرت شركات عالمية على مغادرة العراق بوجود جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة، تتلقى دعما أو ترتبط بصورة مباشرة بالحرس الثوري الإيراني. ولا يمكن لأي مشروع اقتصادي أو استثماري أن يحقق النجاح في ظل استمرار هذا الواقع الذي يهدد الأمن ويقوض ثقة المستثمرين.
كما أن الجدل الدائر بشأن الصواريخ والأسلحة التي يعتقد أنها انتقلت إلى بعض الفصائل يعكس حجم التشابك بين القرار العراقي والمصالح الإيرانية. فوجود ترسانة عسكرية خارج مؤسسات الدولة لا يشكل تهديدا للعراق وحده، بل يجعله ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية ويعرضه باستمرار لمخاطر المواجهة مع المجتمع الدولي.
وفي الوقت نفسه، تبدو معركة مكافحة الفساد مرتبطة هي الأخرى بملف النفوذ الإيراني. فالكثير من شبكات الفساد التي ترسخت خلال السنوات الماضية لم تكن مجرد عمليات مالية، بل أصبحت جزءا من منظومة سياسية وأمنية تستند إلى حماية الفصائل المسلحة وشبكات المصالح المرتبطة بطهران. ولذلك فإن أي محاولة جادة لتفكيك هذه المنظومة تواجه مقاومة سياسية شديدة من الأطراف المستفيدة من استمرارها.
لقد أثبتت التجربة أن النظام الإيراني لا يتعامل مع العراق باعتباره دولة مستقلة، وإنما باعتباره إحدى أهم ساحات نفوذه الإقليمي، ولهذا فإنه ينظر بعين الريبة إلى كل خطوة تعزز سيادة الدولة العراقية أو توسع علاقاتها الدولية أو تضع السلاح تحت سلطة المؤسسات الرسمية.
إن نجاح العراق في استثمار الفرص الاقتصادية واستعادة الاستقرار لن يتحقق عبر سياسة التوازن وحدها، بل يتطلب أيضا إنهاء جميع أشكال التدخل الخارجي، وفي مقدمتها التدخل الإيراني، وحصر السلاح بيد الدولة، وترسيخ مؤسسات قادرة على اتخاذ قراراتها انطلاقا من المصلحة الوطنية العراقية وحدها. فالعراق لا يحتاج إلى وصاية من أي طرف، بل إلى شراكات متوازنة وسيادة كاملة تتيح له أن يتحول من ساحة للصراعات إلى دولة مستقرة وقادرة على خدمة مواطنيها.