معضلة التوازن الأوروبي تجاه إيران بين استراتيجية الاحتواء ومطالب التحول الديمقراطي

السیدة مریم رجوي في مؤتمر في البرلمان الاوروبی-
بنت 1- بقلم : د. سامي خاطر:
تشهد أروقة صنع القرار في بروكسل نقاشاً متزايداً حول جدوى السياسة الأوروبية المتبعة تجاه طهران في ظل تسارع وتيرة التطورات الداخلية في إيران وتداخلها مع الأزمات الإقليمية، وفي هذا السياق جاءت النداءات الأخيرة التي وجهتها السيدة
مريم رجوي الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية أمام البرلمان الأوروبي لتعيد تسليط الضوء على الفجوة القائمة بين الالتزامات الحقوقية للاتحاد الأوروبي وممارساته السياسية الواقعية مما يضع القارة العجوز أمام اختبار استراتيجي وأخلاقي مزدوج.
تصاعد الإعدامات كأداة للقهر السياسي
تشير التقارير ومنها ما نقلته وكالة أنسا الإيطالية إلى أن النظام في طهران كثف من استخدام عقوبة الإعدام حيث سُجل إعدام ستة عشر سجيناً سياسياً خلال شهر واحد.. جاء هذا مع وجود تحذيرات من إعدامات وشيكة تطال آخرين، ومن منظور التحليل الاستراتيجي لا تُعد هذه الإجراءات مجرد عقوبات قانونية بل هي أداة للقهر السياسي تهدف إلى استباق أي انتفاضات شعبية محتملة؛ فالسلطة الحاكمة تسعى عبر تصعيد لغة القمع إلى تحصين جبهتها الداخلية في وقت تنشغل فيه القوى الدولية بملفات الصراعات الإقليمية مما يجعل من “الداخل الإيراني” ساحة صامتة لتصفية الحسابات السياسية تحت غطاء “الظروف الاستثنائية”.
نقد “الصمت الاستراتيجي” الأوروبي
تتبنى المقاومة الإيرانية خطاباً يُحمل القادة الأوروبيين مسؤولية أخلاقية معتبرة أن التقاعس الدولي يمنح طهران ضوءاً أخضر للاستمرار في سياساتها القمعية، ويُظهِر التحليل الموضوعي أن الاتحاد الأوروبي يواجه معضلة؛ فهو يحاول الحفاظ على شعرة معاوية في الملف النووي ومنع التصعيد العسكري الشامل.. لكن هذا “الصمت الاستراتيجي” قد يُفسر لدى نظام الملالي على أنه علامة ضعف، وبحسب رؤية المعارضة فإن استغلال النظام لظروف الحرب لتكثيف القمع يتطلب رد فعلِ أوروبياً يتجاوز عبارات القلق التقليدية إلى إجراءات تقييدية ملموسة تربط الملفات الاقتصادية والدبلوماسية بسجل حقوق الإنسان.
السلام الإقليمي والتحول الهيكلي في إيران
في هذا الإطار طرحت وتطرح السيدة رجوي معادلة مفادها أن السلام الدائم في الشرق الأوسط لا يمر عبر التسويات المؤقتة مع السلطة الحالية بل عبر تغيير بنيوي يؤدي إلى قيام جمهورية ديمقراطية.. هذا الطرح يضع صناع السياسة في أوروبا أمام تساؤل جوهري: هل يمكن تحقيق استقرار إقليمي مع نظام يعتمد “تصدير الأزمات” كآلية بقاء؟
إن مطالبة المقاومة بجعل وقف الإعدامات شرطاً أساسياً في أي اتفاق دولي يعكس محاولة لفرض “أجندة القيم” على “أجندة المصالح”، وهو ما يمثل ذروة الضغط السياسي على بروكسل لتعديل بوصلتها تجاه طهران.
مطالب القطيعة الدبلوماسية وتبعاتها
في سياق تطورِ دائم بمسارها الاستراتيجي انتقلت مطالب المقاومة من الإطار الحقوقي العام إلى الإطار الإجرائي المحدد من خلال الدعوة إلى إغلاق السفارات وطرد العناصر المرتبطة بالأجهزة الأمنية الإيرانية من الأراضي الأوروبية وصولاً إلى الاعتراف بالحكومة المؤقتة للمقاومة.. وما هذه المطالب بجديدة فقد دأبت المقاومة عليها منذ سنين إدراكا لأهميتها.. هذه المطالب رغم صعوبتها الدبلوماسية في الوقت الراهن تهدف إلى نزع الشرعية الدولية عن النظام وتضييق الخناق على شبكاته الخارجية.. وإن تبني مثل هذه السياسات سيعني تحولاً جذرياً في العقيدة السياسية الأوروبية من “الاحتواء المرن” إلى “المواجهة الشاملة”، وهو مسار متأخر، وتزداد فرص نقاشه مع كل موجة إعدامات جديدة تهز الرأي العام العالمي.
حتمية مراجعة السياسات
ختاماً يبدو أن استمرار النهج الحالي للاتحاد الأوروبي قد يواجه طريقاً مسدوداً؛ فالمعركة التي وصفتها المعارضة بأنها تدور بين الشعب الإيراني والنظام الحاكم تفرض على المجتمع الدولي ضرورة الاختيار، وإن نجاح المقاومة في تدويل قضية الإعدامات وربطها بالأمن والسلم الدوليين يضع الاتحاد الأوروبي أمام مسؤولية تاريخية؛ فإما الاستمرار في سياسة ” المهادنة والخطوات الحذرة” التي قد تطيل أمد الأزمة!!! أو الانحياز لمطالب التغيير الديمقراطي كضمانة وحيدة لاستقرارٍ طويل الأمد في منطقة تعج بالاضطرابات.