إيران.. قراءة في استراتيجية “وحدات المقاومة” ومآلات التغيير

اليوم الثامن – اليمن- د.سامي خاطر:
تصدعات الهيكل الأمني الإيراني: قراءة في استراتيجية “وحدات المقاومة” ومآلات التغيير
في الوقت الذي تعيش فيه منطقة الشرق الأوسط حالة من السيولة الاستراتيجية، تبرز في الداخل الإيراني ديناميكيات متسارعة تعيد تعريف معادلة الصراع بين السلطة والمجتمع. لم تعد المعارضة الإيرانية مجرد ظاهرة احتجاجية عابرة، بل تحولت إلى فاعل سياسي وعسكري منظم، تجسده وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق. وتشير التقارير الصادرة عن دوريات سياسية أوروبية، وعلى رأسها صحيفة “لا ديبيش” الفرنسية، إلى أن هذه الوحدات نجحت في إحداث اختراق نوعي في جدار الرعب الذي بناه النظام لعقود، عبر تنفيذ أكثر من 4000 عملية ضد البنية الأمنية للنظام خلال العام المنصرم وحده.
تآكل الردع الأمني وفشل سياسة القمع
إن تصاعد وتيرة العمليات الميدانية لا يعكس فقط كفاءة لوجستية متنامية للمعارضة، بل يؤكد عجز الآلة العسكرية والأمنية عن احتواء حركة متجذرة في النسيج الاجتماعي. إن الهجوم الجريء الذي شنه حوالي 250 مقاتلاً من هذه الوحدات في فبراير 2026 على المقر شديد التحصين لـ الولي الفقيه في طهران، يمثل تحولاً استراتيجياً في قواعد الاشتباك. إن قدرة هؤلاء المقاتلين على اختراق المنظومات الأمنية الأكثر حماية، والانسحاب بصفوف منظمة، تشير إلى أن النظام لم يعد يواجه مجرد احتجاجات مدنية، بل بنية قتالية متماسكة ترفض الانكسار.
في المقابل، يلوذ النظام بخيار الإعدامات الانتقامية، محاولاً تغطية أزماته البنيوية عبر تصفية النشطاء تحت طائلة تهم ملفقة كـ “التجسس”. إن إعدام شخصيات كالمناضل حامد وليدي ونيما شاهي في أبريل 2026 ليس دليلاً على القوة، بل هو مؤشر على ضيق الخيارات أمام السلطة. ورغم هذه المجازر، فإن استمرار عمليات المقاومة يؤكد فشل سياسة “بث الرعب” في تحقيق أهدافها، بل على العكس، تساهم هذه الإجراءات في تعميق الفجوة بين النظام وقاعدته الاجتماعية الهشة.
التناقض الاستراتيجي: “لا للشاه ولا للملالي”
تتسم استراتيجية المعارضة برفض قاطع للعودة إلى الماضي الاستبدادي أو القبول بالحاضر اللاهوتي. إن شعار لا للشاه ولا للملالي يمثل قاعدة ارتكاز سياسية تعزز من جاذبية المقاومة لدى مختلف شرائح المجتمع من طلاب وعمال وأطباء. هذا الموقف يعكس وعياً استراتيجياً يرفض التدخل الأجنبي، ويراهن على القدرات الذاتية للشعب الإيراني. إن استهداف مقرات حرس النظام الإيراني وميليشيا الباسيج في مارس 2026 ليس إلا ترجمة ميدانية لهذه الاستراتيجية التي تهدف إلى تفكيك أدوات القمع من الداخل.
رعب النخبة وهاجس “الضياء الخالد 2”
داخل أروقة السلطة، يتسيد المشهد شعور عميق بالذعر. لقد كشفت التصريحات الصادرة عن نائب الرئيس، محمد رضا عارف، عن ذهنية استئصالية تهدد بتكرار سيناريوهات القمع التاريخية (مذبحة عام 1988)، وهو اعتراف ضمني بمدى خطورة التهديد الوجودي الذي تشكله المقاومة على بقاء النظام.
ولعل التحذيرات التي أطلقها محللون مقربون من السلطة، مثل روزبه علمداري، من احتمالية اندلاع عملية تشبه الضياء الخالد 2، تعكس الخوف الجذري لدى النخبة الحاكمة من أن المعارضة قد لا تكتفي بعمليات الاستنزاف، بل تستعد لـ هجوم حاسم ينهي عقوداً من الديكتاتورية. إن الهاجس هنا ليس فقط من تحرك المعارضة من الخارج، بل من قدرتها على تحويل الداخل الإيراني إلى ساحة ثورة شاملة تُسقط هرم السلطة.
الخاتمة: حتمية التغيير
إن المشهد الإيراني اليوم يمر بمرحلة مفصلية. فالتاريخ يعلمنا أن الأنظمة التي تعتمد على القمع البحت لمواجهة تطلعات شعوبها، تصل بالضرورة إلى نقطة الانهيار. إن وحدات المقاومة، من خلال تنظيمها وتضحياتها، أثبتت أنها قوة فاعلة لا يمكن تجاهلها في أي حسابات سياسية مستقبلية. وبناءً على ما تقدم، يتضح أن استراتيجية “كسر حاجز الخوف” قد بدأت تؤتي ثمارها، مما يجعل التغيير في إيران ليس مجرد فرضية، بل مساراً تتسارع وتيرته مع كل عملية ميدانية جديدة.
د.سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي