السياسات الحمقاء لها ضريبتها الباهضة

صورة للدمار اثر القصف الجوي في طهران-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم يکف نظام الملالي منذ الايام الاولى لحکمه القمعي الاسود عن سياساته المريبة على مختلف الاصعدة ولاسيما وإنه قد جعل من نهجه المتطرف أساسا ومصدرا لکل ما يصدر عنه، وهو لم يکتف بما يفعله ويقوم به من ممارسات قمعية وإنتهاکات إجرامية فظيعة بحق الشعب بل وضع المنطقة بشکل خاص والعالم بشکل عام نصب أعينه من أجل أن تشملها هذه السياسات، فهو عندما شرع بتدخلاته في المنطقة وما جلبها على بلدانها وشعوبها من حروب ومآس وأزمات فقد أضاف إليها برنامجه النووي من أجل إمتلاك السلاح النووي وجعل نفسه أمرا واقعا الى جانب إنه قد تجاوز کل الحدود في تدخلاته عندما بدأ بتزويد وکلائه بالصواريخ والطائرات المسيرة ليجعل تهديده للأمن المنطقة مضاعفا.
هذه السياسات التي إعتقدت الطغمة الدينية بأنها تجسد ذروة ذکائهم ونباهتهم إلا إنها لم تکن کذلك أبدا بل وحتى إنها کانت بداية تدحرج نظامهم نحو الهاوية، ولاسيما عندما بدأوا بالتدخل في صراعات دولية تحذر منها دول العالم لمآلاته الخطيرة عليها، إلا إن النتائج والآثار والتداعيات بالغة السلبية لتلك السياسات بدأت تنهال على رٶوسهم حتى وجدوا إن نيران الحروب والازمات التي کانوا يحرصون على إثارتها في المنطقة قد وصلت الى عقر دارهم، واليوم وحتى إن الصراع الأخير بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل – والمترتب بالأساس على التدخلات الإقليمية لـ النظام الكهنوتي – امتد إلى ما هو أبعد من الساحات العسكرية، ليضرب في الصميم تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين العاديين. وحتى بعد توقف الأعمال العدائية النشطة، لا يزال حجم الدمار يتكشف يوما بعد يوم، ليميط اللثام عن أزمة عميقة عصفت بسبل العيش، والصحة العامة، والاستقرار الاجتماعي.
بهذا الصدد، تشير التقديرات الرسمية الأولية إلى كارثة ذات أبعاد تاريخية. حيث أعلنت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، أن التكلفة المبدئية للأضرار تبلغ 270 مليار دولار، محذرة من أن هذا الرقم مرشح للارتفاع مع استمرار عمليات التقييم. هذا العبء المالي الساحق أصاب صلب الحياة اليومية في جميع أنحاء إيران.
وقد کان قطاع الإسكان من بين القطاعات الأكثر تضررا. ووفقا للأرقام الرسمية، تضرر 83,351 وحدة سكنية في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك 39,508 منازل وممتلكات تجارية صغيرة في طهران وحدها. هذا الدمار شرد آلاف العائلات، وسلبهم المأوى ومدخرات العمر. وإلى جانب الأضرار المادية، أدى استهداف المناطق السكنية إلى تقويض شعور المواطنين بالأمان وضرب استقرارهم النفسي.
ويؤكد المحللون أن إعادة الإعمار ستستغرق سنوات وتتطلب موارد مالية ضخمة، مما يضع ضغوطا إضافية على اقتصاد هش بطبعه. وتتحمل الأسر ذات الدخل المحدود العبء الأكبر من هذه الأزمة، في حين يُعزى جزء من هذا الدمار إلى تعمد إخفاء المنشآت الحساسة بالقرب من المناطق الحضرية المكتظة بالسكان، مما ضاعف من تعرض المدنيين للخطر.
ولم يقتصر الخراب على المنازل، بل امتد ليقضي على الخدمات العامة الحيوية. فقد تم تدمير أو إلحاق أضرار بالغة بـ 322 مركزا طبيا ومستشفى، و763 مدرسة، و55 مكتبة عامة موزعة على 12 محافظة. إن فقدان البنية التحتية للرعاية الصحية أدى إلى قطع وصول المواطنين للخدمات الطبية الحيوية في وقت الأزمة، مما يخلق عواقب طويلة الأمد قد تؤثر على أجيال قادمة. وفي الوقت ذاته، يهدد تدمير المدارس والمكتبات المستقبل التعليمي لملايين الأطفال.
أما على الصعيد الاقتصادي، أبلغ محمود نجفي عرب، رئيس غرفة تجارة طهران، عن تضرر ما لا يقل عن 300 وحدة صناعية في محافظة طهران وحدها. كل مصنع مدمر لا يمثل فقط خسارة مادية، بل يعني تشريد مئات العمال الذين يعتمدون على هذه المنشآت لإعالة أسرهم. وقد أدى شلل الإنتاج إلى انهيار في سلاسل التوريد، مما أسهم في تأجيج التضخم ونقص حاد في السلع الأساسية.
ويحذر الخبراء الاقتصاديون من أن استعادة القدرة الصناعية في ظل العقوبات القائمة ستكون مهمة شاقة ومكلفة. وفي غضون ذلك، أدى تضرر البنية التحتية الصحية في المناطق الحدودية إلى زيادة خطر تفشي الأمراض المعدية، مما يشكل تهديدا إضافيا للفئات الضعيفة كالأطفال وكبار السن.
کما أدى حجم الدمار إلى إضعاف هيكل الرعاية الاجتماعية في إيران بشكل كبير وسرع من وتيرة انتشار الفقر. إن تدمير البنى التحتية الأساسية – كشبكات توزيع المياه والكهرباء – جعل الحياة اليومية أكثر صعوبة في العديد من المناطق. وهذه النتائج هي المرآة العاكسة لأولويات النظام الكهنوتي، الذي فضل دائما التوسع العسكري على حساب الرفاه الداخلي. وبنفس السياق يمثل التدهور البيئي مصدر قلق متزايد، حيث ساهمت الانفجارات في المناطق السكنية في تلوث قد يحمل تداعيات صحية مزمنة للسكان المحليين. وبالتوازي مع ذلك، أدى هروب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية في أعقاب الصراع إلى تضاؤل آفاق التعافي الاقتصادي.
أما التكلفة النفسية فلا تقل قسوة؛ فعدم اليقين الواسع النطاق، والخوف من تجدد الصراع، وتلاشي الأمل في المستقبل، أدت جميعها إلى تصاعد موجات الهجرة، لا سيما بين الكفاءات والعمال الشباب. إن هجرة الأدمغة هذه تهدد بتفريغ البلاد من رأس مالها البشري في لحظة حرجة. و للتعويض عن هذه الخسائر المالية الفلكية، من المرجح أن تلجأ الحكومة إلى تقليص الإنفاق على برامج التنمية والرعاية الاجتماعية، مما سيترجم إلى سحق ما تبقى من قدرة شرائية للمواطنين وانحدار مستمر في مستويات المعيشة.