
اليوم الثامن – اليمن- د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي:
في العلوم السياسية تُعد “استراتيجية الردع القسري” أخطر أدوات الدول الشمولية في اللحظات الحرجة.. كما أنها ليست مجرد ممارسة للعنف بل هي هندسة للخوف تهدف إلى تحويل أجساد المعارضين إلى “عِبر” ترتدع بها الجماهير؛ ومع تصاعد وتيرة الإعدامات في إيران يبرز تساؤل استراتيجي ملح!! هل ينجح النظام في شراء شرعية “الأمر الواقع” عبر القمع؟ أم أن هذه السياسة هي في جوهرها تفكيكٌ ذاتي لأسس بقاء النظام؟
وهم الاستقرار عبر الإكراه
تاريخياً.. تراهن الأنظمة التي تعاني من “أزمة شرعية” على أن العنف المفرط يمكنه تحييد الحراك الشعبي، والمنطق هنا بسيط؛ فإذا كان الخوف من الموت أقوى من الرغبة في التغيير فإن حالة السكون ستعم الشارع.. بيد أن هذا الرهان يغفل قانوناً سوسيولوجياً مهماً وهو “عتبة الاحتقان”.. فعندما تُغلق جميع مسارات التعبير السياسي، وتصبح المشنقة هي الحوار الأخير بين الدولة ومواطنيها فإن الخوف يفقد قيمته الردعية؛ إذ يتحول الموت من “تهديد” إلى “مصير متوقع”، مما يؤدي إلى تلاشي حاجز الخوف الذي يعد خط الدفاع الأول لأي نظام استبدادي.. وإن تآكل هيبة الدولة لا يبدأ بفقدان السيطرة الأمنية بل بفقدان القدرة على إقناع الناس بجدوى الخضوع.
المشانق وقود للحشد المعنوي
عندما يعدم النظام معارضاً فإنه لا يمحو فكرته؛ بل يحولها إلى “أيقونة نضالية”.. والمشاهد المسربة من سجن قزل حصار حيث ينشد السجناء أغاني التحدي قبل لحظات من تنفيذ الحكم توثق تحولاً نوعياً في بنية المقاومة؛ هنا يتحول الموت إلى أداة تواصل سياسي فائقة التأثير تتجاوز كل الرقابة.
إن استراتيجية الردع القسري تعاني من “عائد متناقص”؛ فكل عملية إعدام إضافية تزيد من رصيد الغضب الشعبي، وتخلق جيلاً جديداً من المعارضين الذين لم تعد لديهم مصلحة في استمرار الوضع الراهن.. هذا المسار لا يخدم “تأمين النظام” بل يغذي جذور الانفجار الاجتماعي القادم ويجعله أكثر تنظيماً وأشد تطلباً للتغيير الجذري.
مفارقة البقاء بين الأمن والشرعية
يخطئ من يظن أن الردع الأمني كافٍ للحفاظ على ديمومة الحكم.. فالبقاء السياسي يعتمد على مثلث: القوة، والشرعية، والقدرة الاقتصادية.. فالنظام الذي يعتمد كلياً على “القوة العارية” (الإعدامات) يعترف ضمنياً بانهيار أركان الشرعية والقدرة على التنمية.. وإن استمرار الإعدامات كسياسة وحيدة للتعامل مع المطالب الشعبية يضع النظام في عزلة استراتيجية.. ليس فقط عن شعبه بل عن محيطه الإقليمي والدولي.
إن “الاستقرار” الناتج عن الخوف هو استقرار هش يشبه البركان الخامل الذي تزداد ضغوطاته الداخلية ويستمر في حالة نفير كلما زاد النظام من إحكام إغلاق فوهته.
قراءة موضوعية للنتائج
هل تؤدي هذه السياسة إلى الانهيار؟ لا يمكن التنبؤ بلحظة الانفجار بدقة على نحو عام؛ ولكن يمكن قراءة المسارات، وفي حالة كحالة نظام الملالي الحاكم في إيران قد أدت هذه السياسة إلى الانهيار “انهيار سياسي واقتصادي واجتماعي.. انهيارٌ بالقيم والمثل، وانهيارٌ في أروقة القيادة وصل إلى حد الإفلاس” وقد جاءت الحروب الأخيرة كمخرج للنظام من أزماته ووسيلة للاستمرار في السلطة، وبالتزامن مع هذه الحروب فإن من السهل على النظام إلصاق تهمة الخيانة بكل مناضل شريف مما يسهل على النظام التحرك لقمع معارضيه خاصة في ظل عدم وضوح رؤية ومواقف الغرب الذي لا يزال يهادن نظام طهران.
إن استراتيجية الردع القسري تشتري للنظام “زمناً” لكنها تستهلك “مستقبله”.. فهي تمنع التغيير التدريجي المُنظم لكنها تستبدله بالانفجار المفاجئ.. وعندما لا يجد المواطن أفقاً للتغيير السلمي لا يصبح “الانفجار الاجتماعي” احتمالاً بل يصبح النتيجة الحتمية الوحيدة المتبقية في المعادلة.
إن الممارسة الحالية للسلطة في طهران تعكس حالة من “الإنكار الاستراتيجي”؛ فهي تتعامل مع أعراض المرض (الاحتجاجات) عبر بتر الأطراف بينما يتآكل الجسد السياسي من الداخل.
إن استمرار هذا النهج لن يؤدي إلا إلى تعجيل لحظة الحقيقة حيث يكتشف النظام أن آلة القمع التي بناها لحماية عرشه قد أصبحت هي العامل الأسرع في تقويضه.
ختاماً.. إن تاريخ الشعوب يثبت أن إرادة التغيير حين تمتزج بمرارة المظلومية تُصبِحَ قوةً لا يمكن لأي حبل مشنقة أن يوقف تيارها.. والنظام الذي يستبدل الحوار بالإعدامات هو نظام يحفر بيده مسار سقوطه متوهماً أن هدوء المقابر يعني استقرار الدولة.
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي