حين يصبح الجوع ثورة.. الفقر يقرع أبواب النهاية في إيران

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم يعد الفقر في إيران مجرد نتيجة لأزمة اقتصادية طارئة، ولا انعكاسا لعقوبات خارجية أو حرب إقليمية كما يحاول النظام تصويره، بل بات عنوانا لأزمة بنيوية تضرب صميم الدولة التي أقامها نظام ولاية الفقيه على مدى ما يقرب من نصف قرن. فما يجري اليوم لم يعد مجرد تراجع في القدرة الشرائية أو انهيار في قيمة العملة، وإنما انهيار متسارع للعقد الاجتماعي الذي طالما استند إليه النظام في الحفاظ على تماسكه الداخلي.
واللافت أن هذا التشخيص لم يعد حكرا على المعارضين أو المراقبين المستقلين، بل أخذ يصدر من داخل المؤسسات الإعلامية والشخصيات المحسوبة على النظام نفسه، التي باتت تتحدث صراحة عن “تعميم الفقر” و”انهيار الطبقة الوسطى”. وهذه ليست مجرد توصيفات اقتصادية، وإنما اعترافات بأن المجتمع الإيراني يدخل مرحلة جديدة، يصبح فيها الفقر هو القاسم المشترك بين معظم الإيرانيين، بعد أن كان يتركز في الشرائح الأشد هشاشة.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تعني اتساع دائرة الحرمان فحسب، بل انهيار الطبقة التي كانت تمثل صمام الأمان الاجتماعي والسياسي. فعندما تتآكل الطبقة الوسطى، يفقد المجتمع عنصر التوازن، ويتحول ملايين المواطنين إلى أفراد لا يشغلهم سوى البحث عن لقمة العيش، بينما تتراجع الثقة بالمستقبل إلى أدنى مستوياتها.
ولذلك لم يعد الإيرانيون يتحدثون عن ارتفاع أسعار الغذاء أو السكن وحدهما، بل عن عجز متزايد عن شراء الدواء، وتأمين التعليم، وتجديد مستلزمات الحياة الأساسية، حتى أصبح إصلاح الأجهزة القديمة بديلا عن استبدالها، والشراء بالتقسيط ضرورة لا خيارا. إنها مؤشرات لا تعكس ضيقا اقتصاديا فحسب، وإنما تعلن انتقال المجتمع إلى مرحلة الدفاع عن البقاء.
لكن الأنظمة لا تسقط بسبب الأرقام الاقتصادية وحدها، وإنما عندما يتحول الإفقار إلى شعور جماعي بالظلم، وعندما يقتنع المواطن بأن ما يعانيه ليس قضاء اقتصاديا، بل نتيجة مباشرة لسياسات سلطة جعلت من ثروات البلاد وقودا لمشاريعها العسكرية والإيديولوجية، فيما تركت ملايين الإيرانيين يواجهون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل.
ولهذا تبدو محاولات السلطة إرجاع كل شيء إلى العقوبات أو الحرب فاقدة لقدرتها على الإقناع. فالإيرانيون يعرفون أن الفساد سبق العقوبات، وأن تبديد الثروات بدأ قبل اشتداد الضغوط الدولية، وأن الإنفاق على الحرس الثوري، والميليشيات التابعة له، والمشروع النووي، كان يتم في الوقت الذي كانت فيه الطبقة الوسطى تنحدر تدريجيا نحو الفقر.
إن العلاقة بين الفقر والاستبداد في إيران لم تعد قابلة للفصل. فالنظام الذي صادر القرار السياسي، واحتكر الاقتصاد، وهيمن على مفاصل الدولة، هو نفسه الذي أنتج هذا الخراب الاجتماعي. ومن هنا، فإن الأزمة لم تعد أزمة معيشة بقدر ما أصبحت أزمة شرعية. فحين يعجز النظام عن توفير أبسط مقومات الحياة، بينما يواصل إنفاق المليارات على مشاريعه الخارجية، فإنه يدفع المواطنين إلى طرح السؤال الأخطر: لمن تدار الدولة؟ ولصالح من تهدر ثروات البلاد؟
وهذا هو مكمن القلق الحقيقي داخل دوائر الحكم. فالسلطة تدرك أن الجوع، إذا اقترن بفقدان الثقة، يتحول إلى قوة سياسية يصعب احتواؤها، وأن الاحتجاجات المطلبية يمكن أن تتطور سريعا إلى حركة تطعن في شرعية النظام برمته. لذلك تتسارع أدوات القمع، وتتزايد الإعدامات، وتتشدد القبضة الأمنية، في محاولة لإخافة مجتمع لم يعد يخشى الكثير بعدما فقد مقومات الحياة الكريمة.
وإذا كان النظام يسعى إلى استخدام التوترات الإقليمية لتأجيل انفجار الداخل، فإن الوقائع تثبت أن سياساته الخارجية نفسها كانت أحد الأسباب الرئيسية لإفقار الإيرانيين. فالأموال التي أنفقت على تصدير الأزمات، وتمويل الميليشيات، وإدامة الصراعات، كانت كفيلة ببناء اقتصاد قادر على توفير العمل والسكن والدواء لملايين المواطنين. ومن ثم فإن أمن المنطقة واستقرارها يرتبطان أيضا بإنهاء النهج الذي جعل من إيران مركزا دائما للأزمات بدلا من أن تكون دولة تنصرف إلى تنمية شعبها.
غير أن الغضب الشعبي، مهما بلغ حجمه، لا يكفي وحده لإحداث التحول المنشود ما لم يجد إطارا سياسيا وتنظيميا يقوده نحو هدف واضح. وهنا تتجلى أهمية المقاومة الإيرانية المنظمة، التي تمثل ببرنامجها الديمقراطي ورؤيتها لإيران المستقبل عاملا أساسيا في تحويل الاحتجاجات من ردود أفعال متفرقة إلى مشروع وطني للتغيير، قادر على استعادة الدولة من قبضة الاستبداد والفساد.
إن ما تشهده إيران اليوم ليس أزمة أسعار، بل أزمة نظام استنفد أدوات بقائه. فحين يعم الفقر، وتتآكل الطبقة الوسطى، وتنهار الثقة، وتتعاظم الهوة بين الشعب والسلطة، يصبح الانفجار الاجتماعي احتمالا يزداد اقترابا مع كل يوم. وعندئذ لن يكون السؤال ما إذا كان التغيير سيأتي، بل متى سيجد المجتمع الإيراني اللحظة المناسبة لتحويل معاناته الطويلة إلى نقطة انطلاق نحو دولة تقوم على الحرية والعدالة وسيادة القانون، وتعيد ثروات البلاد إلى أصحابها الحقيقيين: الشعب الإيراني.