الأخبارالمعارضة الإيرانية

القنبلة النووية… الملاذ الأخير لنظام يضيق عليه الخناق

القنبلة النووية... الملاذ الأخير لنظام يضيق عليه الخناق
كلما اشتدت الأزمات التي يواجهها النظام الإيراني، وازدادت عزلته الداخلية والخارجية

بحزاني – منى سالم الجبوري:
كلما اشتدت الأزمات التي يواجهها النظام الإيراني، وازدادت عزلته الداخلية والخارجية، عاد الحديث من جديد عن ضرورة امتلاك السلاح النووي، وكأن القنبلة أصبحت الوصفة السحرية لإنقاذ نظام يعيش واحدة من أكثر مراحله هشاشة منذ قيامه. فالدعوات التي صدرت أخيرا من شخصيات محسوبة على التيار المتشدد، والتي طالبت صراحة بصناعة قنبلة نووية وإجراء تفجير تجريبي لها، ليست مجرد مواقف فردية أو تصريحات انفعالية، بل تعكس عمق المأزق الذي وصلت إليه السلطة في طهران.
فالمشهد الداخلي يكشف عن انقسامات غير مسبوقة داخل أجنحة الحكم. فالخلافات بشأن العلاقة مع الولايات المتحدة، والتباين حول أسلوب إدارة الأزمات، والرقابة المتبادلة حتى بين مؤسسات النظام، كلها مؤشرات على أن الصراع لم يعد مقتصرا على اختلاف في وجهات النظر، بل أصبح صراعا على مستقبل النظام نفسه. وعندما يصل الأمر إلى ممارسة وسائل الإعلام الرسمية رقابة على بيانات مكتب المرشد، وتأجيل الخطابات الرئاسية في ظل شائعات الاستقالة، فإن ذلك يعكس حالة ارتباك يصعب إخفاؤها.
وفي هذا السياق، تبدو الدعوة إلى تصنيع السلاح النووي بمثابة اعتراف ضمني بأن الخيارات السياسية والاقتصادية والأمنية التي اعتمدها النظام طوال العقود الماضية قد وصلت إلى طريق مسدود. فحين يصرح أحد رجال المؤسسة الحاكمة بأن “الطريق الوحيد” لإنقاذ البلاد هو إنتاج قنبلة نووية، فإن الرسالة الحقيقية لا تتعلق بالقوة، بل بالإقرار بفقدان أدوات البقاء التقليدية.
لكن هذه الدعوات ليست جديدة. فمنذ سنوات طويلة، كانت منظمة مجاهدي خلق، تؤكد أن المشروع النووي لا يمكن فصله عن طبيعة النظام القائم، وأنه يستخدم وسيلة للابتزاز السياسي وإطالة عمر السلطة أكثر من كونه مشروعا دفاعيا. كما لعبت المنظمة دورا بارزا في الكشف عن عدد من المنشآت والأنشطة النووية الإيرانية، معتبرة أن استمرار هذا المشروع يمثل تهديدا للاستقرار الإقليمي والدولي.
ومن هذا المنطلق، ترى المنظمة أن كلما اقترب النظام من مرحلة الضعف، ازداد تمسكه بورقة المشروع النووي، لأنها تمنحه فرصة للمساومة وكسب الوقت، ولصرف الأنظار عن أزماته الداخلية المتفاقمة، وفي مقدمتها التدهور الاقتصادي، واتساع دائرة الاحتجاجات، وتصاعد الصراع داخل هرم السلطة.
وفي المقابل، تطرح الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، مريم رجوي، ما تصفه بـ”الخيار الثالث”، وهو خيار يقوم، بحسب طرحها، على رفض الحرب الخارجية من جهة، ورفض سياسة الاسترضاء والتنازلات مع النظام من جهة أخرى، مع التأكيد على أن التغيير ينبغي أن يتحقق على يد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. ووفق هذا الطرح، فإن معالجة المعضلة النووية لا تكون بعقد صفقات مؤقتة تمنح النظام مزيدا من الوقت، ولا بمواجهة عسكرية قد تزيد من معاناة الإيرانيين، وإنما بدعم حق الشعب الإيراني في إقامة نظام ديمقراطي يلتزم بالمواثيق الدولية ويجعل إيران دولة خالية من السلاح النووي.
لقد أثبتت التجربة أن كل جولة تفاوض لم تؤد إلا إلى تأجيل الأزمة، وأن كل تنازل قدم للمؤسسة الحاكمة استثمر في تعزيز قبضتها الداخلية ومواصلة سياساتها الإقليمية. ولذلك فإن التصريحات الأخيرة الداعية إلى تصنيع القنبلة النووية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها استعراضا للقوة، بل باعتبارها مؤشرا على حجم المأزق الذي يعيشه النظام، ومحاولة أخيرة لاستخدام ورقة الردع النووي لإطالة عمره.
ومن هنا، فإن تزايد الحديث عن السلاح النووي لا يعكس ثقة بالنفس بقدر ما يعكس خوفا من المستقبل. فالنظام الذي كان يقدم نفسه بوصفه قوة إقليمية صاعدة، بات يجد نفسه محاصرا بأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة، حتى أصبح بعض رموزه يعتقد أن القنبلة النووية هي آخر وسيلة للحفاظ على بقائه. غير أن التاريخ يبين أن امتلاك أسلحة الدمار الشامل لا يمنح الأنظمة التي فقدت شرعيتها القدرة على تجاوز أزماتها البنيوية، وأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال نظام يستند إلى الإرادة الشعبية، وهو ما يجعل مستقبل إيران مرتبطا، في نهاية المطاف، بحل سياسي يعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها.

زر الذهاب إلى الأعلى