هل يكون بقاء نظام إيران بعد الحرب انتصارا مؤجلا أم بداية النهاية؟
النجاة من الحرب لا تعني بالضرورة الانتصار فيها، كما أن الاحتفاظ بالسلطة لا يضمن القدرة على الاستمرار.

میدل ایست اونلاین- نزارجاف:
النظام الايرانيبقاء النظام الإيراني بعد الحرب قد لا يكون نهاية المواجهة
يبدو أن أحد أهم الأسئلة التي ينبغي التوقف عندها ونحن نتابع تطورات الحرب الدائرة مع إيران هو: ماذا لو انتهت هذه الحرب من دون إسقاط النظام الإيراني؟ وماذا يعني بقاؤه بالنسبة الى مستقبل المنطقة والعالم، بعد كل ما تكبدته الولايات المتحدة وإسرائيل من أعباء عسكرية وسياسية واقتصادية، وبعد أن أصبح إنهاء قدرة النظام على تشكيل تهديد استراتيجي أحد الأهداف المعلنة لهذه المواجهة؟
إن بقاء نظام الجمهورية الإسلامية، الذي ارتبط اسمه طوال عقود بالتطرف الديني وتصدير الأزمات ودعم الجماعات المسلحة والتدخل في شؤون دول المنطقة، سيطرح إشكالية استراتيجية كبيرة، فالنظام قد يوظف مجرد بقائه في السلطة باعتباره انتصارا تاريخيا على الولايات المتحدة وإسرائيل، ويقدم صموده لجمهوره باعتباره دليلا على ما يسميه الحماية الإلهية، الأمر الذي قد يعزز موقع التيارات الأكثر تشددا داخله ويشجعها على مواصلة سياساتها السابقة.
لكن هل يعني البقاء بالضرورة تحقيق انتصار حقيقي؟ هنا تبرز تجربة نظام صدام حسين بعد حرب الخليج الثانية عام 1991، فقد احتفظ صدام بالسلطة رغم الهزيمة العسكرية الساحقة وتدمير جانب كبير من قدرات العراق، ولم يتردد في تصوير مجرد بقائه باعتباره انتصارا على التحالف الدولي. غير أن ذلك البقاء لم يكن استعادة للقوة، بل بداية مرحلة طويلة من العزلة والاستنزاف والانهيار الاقتصادي والسياسي، انتهت بسقوط النظام عام 2003.
وبطبيعة الحال، لا يمكن اعتبار التجربتين متطابقتين؛ فإيران تختلف عن العراق من حيث طبيعة المؤسسات الأمنية والعقائدية والعسكرية، وشبكة المصالح والنفوذ الإقليمي، كما أن الظروف الدولية والإقليمية التي أدت إلى سقوط نظام صدام كانت مختلفة، لكن المقارنة تظل مفيدة من زاوية واحدة أساسية: إن النجاة من الحرب لا تعني بالضرورة الانتصار فيها، كما أن الاحتفاظ بالسلطة لا يضمن القدرة على الاستمرار.
النظام الإيراني، حتى لو خرج من الحرب محتفظا بمؤسساته، لن يكون بالضرورة النظام نفسه الذي دخلها. إن خسارة قيادات وقدرات عسكرية، وتعرض البنية الاقتصادية والاستراتيجية لضغوط كبيرة، قد تضعه أمام مرحلة بالغة الصعوبة والأخطر أن يتحول بقاؤه إلى مبرر لمزيد من التشدد والانغلاق، مع محاولة إعادة بناء قدراته الصاروخية والعسكرية واستئناف مساعيه النووية بصورة أكثر حذرا وسرية.
ومن جهة أخرى، فإن الأضرار الاقتصادية، وتراجع القدرة على تمويل شبكات النفوذ الخارجية، وتنامي الاستياء الشعبي، واحتمالات تصاعد التنافس داخل مراكز السلطة، كلها عوامل قد تجعل مرحلة ما بعد الحرب أكثر صعوبة من الحرب نفسها، فالنظام الذي يستطيع مواجهة التفوق العسكري الخارجي لا يستطيع بالضرورة ضمان السيطرة على التحولات الاجتماعية والسياسية المتراكمة في الداخل.
وهنا ينبغي التشديد على حقيقة استراتيجية لا يجوز التقليل من أهميتها: إن بقاء النظام الإيراني يعني، في جوهره، بقاء مصدر التهديد الدولي والإقليمي، حتى لو تراجعت قدراته العسكرية مؤقتا، فالمشكلة لا تكمن فقط في الأسلحة والمنشآت النووية والصاروخية، بل في طبيعة المشروع السياسي والأيديولوجي الذي يقف وراءها.
ولذلك فإن تغيير هذا النظام أو إسقاطه لن يكون نتيجة حتمية للضربات العسكرية الخارجية، ولا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة إلا بإرادة الشعب الإيراني، ومن خلال مقاومة منظمة وفعالة، لها حضور حقيقي داخل البلاد وامتداد وتأثير على المستوى الدولي، فالشعب الإيراني هو صاحب الحق في تقرير مستقبله، والمقاومة المنظمة القادرة على تحويل الرفض الشعبي الى مشروع تغيير سياسي هي العامل الحاسم في تحقيق هذا الهدف.
أما الولايات المتحدة، فإن بقاء النظام سيضعها أمام اختبار استراتيجي حقيقي، فإذا اكتفت بإعلان تحقيق أهداف عسكرية وتركت لطهران فرصة استثمار بقائها سياسيا وأيديولوجيا، فقد تجد نفسها أمام نظام أكثر عدائية، يعتبر صموده انتصارا ويستعد لجولة جديدة من المواجهة، فالفارق كبير بين إضعاف القدرات العسكرية لنظام ما وبين إنهاء التهديد الذي يمثله على المدى البعيد.
وفي تقديري، فإن الدرس الأهم من تجربة صدام حسين هو أن الأنظمة لا تقاس نتائج الحروب التي تخوضها بمجرد بقائها في السلطة، وإنما بما يتبقى لها من مقومات الاستمرار، وبمدى قدرتها على مواجهة أزماتها الداخلية والخارجية.
وعليه، فإن بقاء النظام الإيراني بعد هذه الحرب قد لا يكون نهاية المواجهة، بل بداية فصل آخر منها، تتخذ فيه أشكالا سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية مختلفة. وربما يكون النظام قد نجا من الحرب عسكريا، لكنه دخل في الوقت نفسه مرحلة تآكل تاريخي يصعب عليه إيقافها.
ويبقى السؤال الجوهري: هل ستتمكن الولايات المتحدة وحلفاؤها من تحويل نتائج الحرب الى استراتيجية طويلة الأمد تمنع النظام من استعادة قدراته وتهديد المنطقة والعالم مجددا، أم سيترك له المجال ليعلن انتصاره ويعيد إنتاج نفسه بصورة أكثر خطورة؟
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في معرفة من بقي في السلطة عند توقف المدافع، بل في معرفة ما إذا كان التهديد الذي مثله النظام الإيراني طوال عقود قد انتهى فعلا، أم أنه سيعود بصورة أخرى وبأدوات أكثر خطورة.