محاكمة “السافاك” وسقوط الوراثة

المركز الإعلامي السوري- د. سامي خاطرآكاديمي وأستاذ جامعي:
يشكل قرار المحكمة الجزئية الفدرالية بولاية فلوريدا قبول الدعوى المدنية المرفوعة ضد برويز ثابتي، المسجل كأحد أبرز مسؤولي الأمن والاستخبارات في عهد نظام الشاه، محطة تحول استراتيجية في قراءة إرث الماضي وحسابات المستقبل السياسي لإيران. فالقرار القاضي برفض الدفع بالتقادم والمضي قدماً بموجب “قانون حماية ضحايا التعذيب” الأمريكي، يخضع السجل التاريخي لحكم الشاه لمساءلة قضائية علنية، ويفكك الرهانات السياسية القائمة على تجميل الماضي البهلوي.
شرعية المساءلة وكسر حصانة التقادم
أكد الأمر القضائي الصادر عن القاضي الفدرالي غريغوري بريسنيل إلزام الأطراف ببدء مرحلة تبادل الأدلة والتحقيقات الموضوعية، مستنداً إلى شهادات ووثائق قدمها معتقلون سياسيون سابقون تعرضوا لأساليب تنكيل ممنهجة في سجون طهران حتى عام 1979. وتتجاوز أهمية هذا المسار القضائي البعد الجنائي الفردي لتمس الشرعية المؤسسية لجهاز الأمن والاستخبارات السابق “السافاك”؛ إذ تسلط وثائق الدعوى الضوء على أدوات القمع الممنهجة، مثل جهاز “أبولو” الكهروميكانيكي المخصص للتحطيم النفسي والجسدي، فضلاً عن الانتهاكات الجسيمة المقترنة بانتزاع الاعترافات القسرية.
وقد أضعف المسار القانوني دفوع الدفاع القائمة على إنكار المسؤولية أو التذرع بالتقادم؛ إذ استند الادعاء، المدعوم من “مركز العدالة والمساءلة”، إلى وثائق سرية سابقة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) رُفعت عنها السرية عام 2018، والتي وصفت ثابتي بأنه كان يملك صلاحيات مطلقة واستثنائية لإدارة وتوجيه عمليات الملاحقة والاستجواب في عموم البلاد.
ظلال التاريخ على خيارات المستقبل
تأتي هذه التطورات القضائية في توقيت بالغ الحساسية للتيارات الداعية لإعادة العرش البهلوي بزعامة رضا بهلوي، حيث يعيد فتح ملفات “السافاك” التذكير بالتَّكْلِفَة الحقوقية والسياسية للحكم الفردي المطلق. وقد واجه هذا التيار حرجاً استراتيجياً متزايداً في الأوساط الغربية إثر محاولات بعض أنصاره إعادة إحياء رموز الجهاز الأمني السالف عبر رفع شعاراته في التجمعات العامة، ناهيك عن التوترات المتصاعدة في أوساط المهجر عقب مقتل الأكاديمي مسعود مسجودي في كندا وتلقي ناشطين حقوقيين تهديدات علنية من حسابات مرتبطة بتلك التوجهات.
وقد كشفت التحقيقات الميدانية والمستندات الرسمية أن المحاولات الحثيثة لتقديم بديل جاهز في واشنطن تصطدم اليوم بشرعية حقوقية وقضائية صارمة لا يمكن تجاوزها، حيث باتت الوقائع التاريخية المسجلة لدى المنظمات الدولية والمحاكم الفدرالية تشكل عائقاً أمام أي مسعى لإحياء الحكم البهلوي تحت مظلة التغيير الديمقراطي.
التداعيات الجيوسياسية على المعارضة الإيرانية
يكشف تفكيك هذه المعطيات عن أن الرهان على إعادة تدوير الرموز السابقة يواجه عقبات بنيوية تتعدى حدود العجز التنظيمي في الداخل لتصل إلى الإدانة القضائية والأخلاقية في العواصم الغربية. إن تحويل الانتهاكات التاريخية إلى قضايا منظورة أمام القضاء الفدرالي الأمريكي يحرم التيارات السلطوية من الاستفادة من مظلة الشتات، ويؤكد أن أي بديل سياسي لا يستند إلى قطيعة كاملة مع كل أشكال الديكتاتورية — سواء كانت ثيوقراطية أم بهلوية — سيبقى مفتقراً إلى الشرعية والحاضنة الشعبية.
وتبرهن المحاكمة الفدرالية المرتقبة لـ برويز ثابتي أن بناء نموذج ديمقراطي مستدام في إيران يستلزم العدالة الانتقالية والمحاسبة التاريخية؛ فالضخ الإعلامي والمساعي الوراثية لا يمكنهما الالتفاف على حقوق الضحايا، ومستقبل إيران السياسي يتشكل حصراً عبر إرادة شعبها وقواه الوطنية المنظمة الملتزمة بسيادة القانون والمؤسسات الديمقراطية.
د. سامي خاطرآكاديمي وأستاذ جامعي