هل يؤمن النظام الإيراني بالتعايش السلمي؟

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
ليس التعايش السلمي مجرد شعار دبلوماسي، بل مبدأ يقوم على احترام سيادة الدول، والاعتراف بحق الشعوب في اختيار أنظمتها وتوجهاتها، والامتناع عن فرض الإرادة السياسية أو العقائدية على الآخرين. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل يؤمن النظام الإيراني بالتعايش السلمي بوصفه قاعدة ثابتة في علاقاته الخارجية، أم يتعامل معه كخيار تكتيكي تفرضه موازين القوى والظروف السياسية؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من النظر إلى طبيعة النظام الذي تأسس عام 1979، وإلى أيديولوجيته الدينية والسياسية، وإلى سلوكه الإقليمي. فالمشكلة ليست في الإسلام أو في حق إيران في حماية مصالحها الوطنية، وإنما في توظيف تفسير ديني متشدد ضمن مشروع سياسي يتجاوز حدود الدولة، ويسعى إلى توسيع النفوذ من خلال دعم حلفاء وقوى مسلحة في دول أخرى.
لقد ارتبطت هوية الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها بمفهوم تصدير الثورة وتعزيز حضورها خارج الحدود الإيرانية. ويعكس الدستور الإيراني هذا البعد من خلال تأكيده على دعم حركات يعتبرها النظام منسجمة مع توجهاته. وعندما تتداخل هذه الرؤية الأيديولوجية مع الحسابات الاستراتيجية، يصبح احترام استقلال الدول الأخرى موضع اختبار، خصوصا حين تتعارض خياراتها الوطنية مع طموحات طهران.
العراق: السيادة تحت ضغط النفوذ
يمثل العراق مثالا بارزا على هذه الإشكالية. فمنذ عام 2003، تعزز النفوذ الإيراني في الحياة السياسية والأمنية العراقية، وتوطدت علاقات طهران بفصائل مسلحة، من بينها كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء. وقد أثار دور بعض هذه الفصائل تساؤلات جدية بشأن قدرة الدولة العراقية على احتكار قرار الحرب والسلم.
إن إقامة علاقات طبيعية بين بغداد وطهران أمر مشروع، لكن هذه العلاقة لا ينبغي أن تتحول إلى مدخل للتأثير في استقلال القرار العراقي. فحين تستطيع جماعات مسلحة مرتبطة بالخارج التأثير في الأمن الوطني أو جر البلاد إلى مواجهات إقليمية، يصبح التعايش بين الدولتين غير متكافئ، وتتحمل المجتمعات المحلية عواقب صراعات قد لا تخدم مصالحها.
لبنان: من يملك قرار الحرب والسلم؟
وفي لبنان، تبرز الإشكالية من خلال العلاقة الوثيقة بين إيران وحزب الله، الذي يمتلك قدرات عسكرية و سياسية مؤثرة خارج إطار الاحتكار الكامل للدولة للسلاح. وقد جعل هذا الواقع لبنان جزءا من حسابات الصراع الإقليمي، كما ظهر مع اتساع المواجهات عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ولا يتعلق الأمر بإنكار حق لبنان في الدفاع عن نفسه، بل بحق اللبنانيين ومؤسسات دولتهم في تقرير خياراتهم الأمنية. فالتعايش الحقيقي لا يقتضي أن يتحمل مجتمع بأكمله نتائج قرارات عسكرية لا تحظى بالضرورة بإجماع وطني، بسبب ارتباطها بحسابات إقليمية أوسع.
سوريا واليمن: النفوذ وتدويل الصراعات
أما في سوريا، فقد دعمت طهران حكومة بشار الأسد عسكريا وسياسيا، وعززت حضورها من خلال حلفاء وتشكيلات مسلحة. وأسهم تشابك التدخلات الخارجية في تعقيد الصراع السوري وإطالة معاناة السكان. وبعد سقوط حكومة الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، تراجع موقع إيران في سوريا، بما كشف هشاشة جانب من نفوذها المرتبط ببنية سياسية وأمنية معينة.
وفي اليمن، أثارت علاقة إيران بالحوثيين تساؤلات بشأن أثر الدعم الخارجي في موازين القوة ومسار الصراع. كما أظهرت الهجمات التي استهدفت الملاحة في البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 كيف يمكن للصراعات المحلية، عندما تتداخل مع الحسابات الإقليمية، أن تهدد الأمن والتجارة الدوليين.
ولا تعني هذه الأمثلة أن جميع القوى المحلية مجرد أدوات إيرانية، أو أن دوافع طهران دينية وحدها؛ فلكل حالة ظروفها ومصالحها الخاصة. لكنها تكشف إشكالية متكررة: كيف يمكن الحديث عن احترام سيادة الدول بينما يسهم النفوذ الخارجي في تعزيز قوى مسلحة قد تنازع المؤسسات الوطنية سلطتها؟
التأقلم أم الخضوع؟
تكمن المشكلة الأساسية في أن التعايش قد يتحول، في ظل اختلال موازين القوة، إلى مطالبة الطرف الآخر بقبول الأمر الواقع. فإذا طلب من العراق ولبنان وسوريا واليمن أن تتكيف مع النفوذ الإيراني بصرف النظر عن تأثيره في استقلال قراراتها، فإن التأقلم يصبح وسيلة لتكريس الهيمنة بدلا من تحقيق التفاهم.
إن الحوار مع طهران يظل ضرورة لتجنب الحروب، لكنه لا يعني القبول بالتدخل في شؤون الدول أو التخلي عن حقها في تقرير مصيرها. كما ينبغي التمييز بين النظام الإيراني والشعب الإيراني؛ فرفض السياسات التوسعية لا يعني العداء للإيرانيين، بل يفتح المجال لعلاقات طبيعية تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
الخلاصة
لا يقاس إيمان النظام الإيراني بالتعايش السلمي بخطاباته، بل بمدى استعداده لاحترام سيادة جيرانه، وقبول احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، وعدم استخدام العلاقات مع القوى المسلحة لفرض وقائع سياسية، والاعتراف بحق الشعوب في اختيار أنظمتها من دون وصاية أيديولوجية.
وما لم تصبح هذه المبادئ أساسا ثابتا لسياسته، ستظل الشكوك قائمة بشأن طبيعة التعايش الذي يطرحه: أهو تعايش بين أطراف متساوية، أم إدارة مؤقتة للخلافات إلى حين توافر ظروف تسمح بتوسيع النفوذ؟
فالتعايش السلمي لا يعني التأقلم مع أيديولوجية الآخر، ولا القبول بمشروعاته على حساب السيادة الوطنية. وحين يفرض التأقلم بالضغط أو التهديد، فإنه لا يعود تعايشا، بل يصبح خضوعا مقنعا. فلا سلام مستداما من دون احترام متبادل، ولا حسن جوار حقيقيا حين يطلب من طرف أن يقبل ما لا يملك الطرف الآخر حق فرضه عليه.