الإعدامات في إيران: أزمة شرعية تتجاوز حدود القمع إلى معركة المستقبل السياسي

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لا يمكن قراءة التصاعد الحاد في تنفيذ أحكام الإعدام في إيران بمعزل عن طبيعة الأزمة التي تواجهها السلطة، ولا عن العلاقة المتوترة بين مؤسسات الحكم ومجتمع يطالب بالحرية والتغيير. فالمسألة لم تعد مقتصرة على عقوبة قضائية مثيرة للجدل، بل باتت تتصل بوظيفة الدولة، وحدود استخدام القوة، ومدى قدرة النظام على إدارة التناقضات الداخلية من دون اللجوء إلى الترهيب. ومن هذه الزاوية، فإن الأرقام المتزايدة للإعدامات تطرح سؤالا سياسيا يتجاوز عدد الضحايا: لماذا تحتاج السلطة إلى تكثيف أدوات القتل إذا كانت تمتلك من الشرعية والقبول ما يكفي لضمان استقرارها؟
تقدم التقارير الحقوقية الصادرة بالتزامن مع اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام صورة مقلقة عن حجم الظاهرة. فقد أشارت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، ماي ساتو، إلى توثيق ما لا يقل عن 600 عملية إعدام خلال عام 2026، مع احتمال ارتفاع الحصيلة إلى نحو ألف. وفي المقابل، استند مفوض الحكومة الألمانية لحقوق الإنسان، لارس كاستيلوتشي، إلى بيانات منظمة العفو الدولية التي تفيد بتنفيذ 2159 حكما بالإعدام على الأقل خلال عام 2025، في زيادة كبيرة مقارنة بالعام السابق.
هذه الأرقام، على اختلاف الفترات التي تغطيها، تشير إلى نمط يستحق التدقيق السياسي والحقوقي. فحين تتسع دائرة الإعدام بالتزامن مع استمرار الاحتجاجات والتوترات الاجتماعية، يصبح من الضروري النظر في مدى ارتباط العقوبة بوظيفة الردع السياسي، لا بمجرد تطبيق القانون. وقد ذهب المسؤول الألماني إلى أن الإعدام يستخدم لبث الرعب بين المتظاهرين والنشطاء والمعارضين. وإذا صح هذا التوصيف في الحالات التي تناولتها التقارير، فإننا نكون أمام استخدام للقضاء لا لمعالجة النزاعات وفق ضمانات العدالة، بل لتغيير حسابات المجتمع عبر التهديد بأقصى عقوبة ممكنة.
القضاء بين شرعية القانون ومنطق السلطة
تكشف التقارير الأممية عن جانب أكثر خطورة من حجم الإعدامات، يتمثل في ظروف المحاكمات ذاتها. فالحديث عن قضايا تخص أشخاصا نسبت إليهم أفعال ارتكبوها قبل بلوغ الثامنة عشرة، وعن جلسات مقتضبة واعترافات قسرية تبث قبل المحاكمة، وعن التضييق على المحامين المستقلين، يثير تساؤلات جوهرية حول استقلال القضاء وحقوق الدفاع.
سياسيا، لا تكمن خطورة هذه الممارسات في احتمال وقوع ظلم بحق متهمين فحسب، بل في إضعاف الثقة بالمؤسسات التي يفترض أن تفصل بين الدولة والمواطن على أساس القانون. فعندما يشعر الفرد بأن المحاكمة لا توفر ضمانات حقيقية، وأن الاعتراف قد ينتزع تحت الضغط، وأن المحامي نفسه معرض للملاحقة، تتراجع قدرة القضاء على أداء وظيفته بوصفه مرجعا للعدالة، ويتحول في نظر المجتمع إلى امتداد لأجهزة السلطة.
ويكتسب هذا التحول أهمية مضاعفة في الأنظمة التي تواجه اعتراضا سياسيا متزايدا؛ إذ إن تجريم المعارضة أو التعامل معها بمنطق أمني صرف لا يعالج أسباب السخط، بل قد يعمقها، ويحول المظالم الفردية إلى قضية عامة تتعلق بمستقبل الحكم نفسه.
الخوف لا يضمن الاستقرار
من الدلالات اللافتة في التقارير استمرار حملة «ثلاثاء لا للإعدام»، التي ينظم المشاركون فيها إضرابات أسبوعية عن الطعام منذ أكثر من عامين وثمانية أشهر، واتسع نطاقها، وفق التقرير، ليشمل 66 سجنا على الأقل. إن استمرار هذا التحرك من داخل السجون يحمل قيمة سياسية تتجاوز شكله الاحتجاجي؛ فهو يكشف أن أدوات العزل والحرمان لا تنجح بالضرورة في إنهاء الاعتراض، وأن السجن قد يتحول، على الرغم من القيود المفروضة فيه، إلى مساحة للتعبير الجماعي عن رفض سياسات السلطة.
وتتضح الصورة أكثر عند النظر إلى ما تتعرض له عائلات الضحايا من ضغوط، بما في ذلك القيود على تسلم الجثامين وإقامة مراسم العزاء، والتهديدات الرامية إلى منعها من الحديث علنا. فهذه الممارسات، بحسب التقارير، تعكس محاولة لتوسيع أثر العقوبة من المحكوم عليه إلى محيطه الاجتماعي. غير أن استهداف العائلات قد يمنح القضية بعدا أخلاقيا واجتماعيا أوسع، ويجعلها أكثر حضورا في الوعي العام.
ولا يعني ذلك أن استمرار الاحتجاج يثبت وحده قرب حدوث تغيير سياسي، أو أن المعارضة تمتلك بالضرورة القدرة على إدارة مرحلة انتقالية. لكنه يدل على أن القمع لا يمكن اعتباره مقياسا كافيا للاستقرار، وأن ارتفاع عدد الإعدامات لا يقدم، بحد ذاته، دليلا على نجاح السلطة في احتواء أسباب الاعتراض.
المعارضة واختبار البديل الديمقراطي
في هذا السياق، جاء المؤتمر الدولي الذي عقده المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في التاسع من أكتوبر 2026 ليطرح الإعدامات ضمن رؤية أوسع للصراع السياسي في البلاد. وقد دعا المشاركون إلى وقف تنفيذ الأحكام، وإتاحة وصول المراقبين المستقلين إلى السجون، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وربط العلاقات السياسية والاقتصادية مع طهران باحترام حقوق الإنسان.
كما عرضت مريم رجوي مبادرة تتضمن الاعتراف الدولي بالجرائم السابقة، ووقف إعدام المعارضين والسجناء السياسيين، وتفعيل آليات العدالة الجنائية والولاية القضائية العالمية. وقدم المشاركون في المؤتمر المجلس الوطني للمقاومة وخطته السياسية باعتبارهما جزءا من البديل المطروح لمستقبل إيران.
لكن التقييم السياسي الرصين يقتضي التمييز بين مطالب حقوقية يمكن قياسها بمعايير القانون الدولي، وبين ادعاءات سياسية تتعلق بتمثيل المعارضة وقدرتها على قيادة التغيير. فالإدانة الواسعة للإعدام لا تعني تلقائيا إجماعا دوليا على جهة سياسية بعينها، كما أن استمرار المقاومة لا يغني عن اختبار أي مشروع انتقالي من حيث ضمان التعددية، واحترام الحريات، وقبول التنافس السياسي، وخضوع السلطة للمساءلة الشعبية.
ومن هنا، فإن مستقبل إيران لا ينبغي أن يختزل في الاختيار بين الحكم الديني والعودة إلى الملكية. فالمعيار الديمقراطي ليس هوية الحاكم أو خلفيته، بل طبيعة النظام الذي يحكم من خلاله، ومدى احترامه حق المواطنين في اختيار ممثليهم وتغييرهم سلميا.
من الإدانة إلى سياسة المساءلة
تكمن المسؤولية الدولية في الانتقال من بيانات الاستنكار إلى سياسة واضحة ومتسقة. ويشمل ذلك المطالبة بوقف الإعدامات، وضمان المحاكمات العادلة، وحماية المحامين والنشطاء، وإتاحة الوصول المستقل إلى أماكن الاحتجاز، ودعم التحقيقات الموثوقة في الانتهاكات. كما ينبغي دراسة العقوبات الموجهة والمساءلة القضائية وفق الأدلة والإجراءات القانونية، مع تجنب العقوبات الجماعية التي قد يتحمل المواطنون العاديون كلفتها.
إن جوهر الأزمة الإيرانية، كما تعكسه هذه التقارير، لا يتعلق بالمشانق وحدها، بل بحدود السلطة وحق المجتمع في مساءلتها. وقد تستطيع الدولة فرض الصمت لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تجعل الخوف بديلا دائما عن الشرعية، أو أن تحول العقوبة إلى وسيلة لحسم الخلاف السياسي إلى الأبد.
لذلك، فإن وقف الإعدامات يمثل اختبارا عمليا لأي حديث عن الإصلاح أو الانفتاح، كما يمثل معيارا لجدية المجتمع الدولي في الدفاع عن حقوق الإنسان. أما التحول الديمقراطي، إن أريد له أن يكون بديلا مستداما، فلا بد أن يقوم على إنهاء الإفلات من العقاب، وضمان استقلال القضاء، ورفض جميع أشكال الاستبداد، وإعادة القرار السياسي إلى الشعب الإيراني. فالمعركة الحقيقية ليست بين سلطة ومناهضيها فحسب، بل بين منطق الحكم بالخوف ومبدأ الحكم بإرادة المواطنين.