الأخبارالمعارضة الإيرانية

حين تتحول الشوارع إلى مقياس للقوة

حين تتحول الشوارع إلى مقياس للقوة
صورة للاحتجاجات الشعبیة داخل ایران

صورة للاحتجاجات الشعبیة داخل ایران-

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
بينما كان مجتبى خامنئي يتحدث في 28 سبتمبر عن إيران بوصفها، وفق تعبيره، “رابع قوة عظمى في العالم”، ثم يرفعها وفق “الحسابات الإلهية” إلى المرتبة الأولى، كان الاقتصاد الإيراني يقدم صورة مختلفة تماما عن الواقع الذي يرسمه الخطاب الرسمي. وفي اليوم نفسه، تجاوز سعر الدولار في السوق الحرة حاجز 240 ألف تومان، قبل أن يصل خلال اليوم إلى نحو 245 ألفا وفق تقارير صحفية.
ليست المفارقة هنا في اختلاف الخطاب السياسي عن المؤشرات الاقتصادية فحسب، وإنما في أن التصريحات التعبوية جاءت في لحظة تبدو فيها السلطة منشغلة بصورة متزايدة بإدارة الداخل، لا بمجرد استعراض القوة أمام الخارج.
فمجتبى خامنئي تحدث عن أكثر من 30 مليون إيراني أعلنوا استعدادهم للتضحية بأنفسهم، كما أشار إلى أن القدرة الاستيعابية لدعوة تنظيمية بلغت 500 ألف شخص خلال أول مئة دقيقة. وهذه أرقام وردت في رسالته نفسها ونقلتها وسائل إعلام متعددة، لكنها تظل، بطبيعتها، أرقاما صادرة عن رأس السلطة ولا تشكل بحد ذاتها قياسا مستقلا لحجم التأييد الشعبي.
في المقابل، فإن الصورة الأمنية التي يقدمها التقرير محل البحث مختلفة: انتشار متواصل في الميادين، دعوات إلى مراقبة “أصغر تحرك مشبوه”، واستنفار طويل الأمد لقوات الأمن. ووفق الرواية التي نشرها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ونقلها التقرير، فإن السلطات ألغت إجازات القوات الأمنية وفرضت حالة استنفار قصوى. وهذه المعطيات تحتاج، بطبيعة الحال، إلى الفصل بين ما يمكن التحقق المستقل منه وما يصدر عن جهة معارضة للنظام.
لكن حتى بمعزل عن تفسير دوافع هذه الإجراءات، تظل هناك مسألة سياسية لافتة: كلما احتاجت الدولة إلى حضور أمني دائم في الشوارع، ارتفعت كلفة الحفاظ على السيطرة.
فالسيطرة الأمنية ليست قرارا يتخذ مرة واحدة؛ إنها منظومة تحتاج إلى أفراد ومركبات ومراقبة واتصالات وانتشار متواصل، فضلا عن القدرة على تدوير القوى البشرية. ومن هنا يصبح الزمن عاملا مهما. ما يمكن تحمله في ظرف طارئ لأسابيع قد يصبح أكثر تعقيدا عندما يتحول إلى نمط دائم.
وهنا تتقاطع المسألة الأمنية مع الاقتصاد. انهيار سعر العملة لا يعني فقط ارتفاع كلفة الاستيراد؛ بل يضرب القدرة الشرائية ويزيد حالة عدم اليقين لدى الأسر، ويجعل أي حديث عن الاستقرار الاقتصادي أكثر صعوبة. وقد أظهرت تقارير 28 سبتمبر أن الريال سجل مستوى قياسيا جديدا أمام الدولار، مع استمرار ارتفاع أسعار الذهب والعملات الأجنبية.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح الشارع أكثر من مجرد مساحة جغرافية. إنه مؤشر على العلاقة بين الدولة والمجتمع. فإذا كان الاستقرار قائما على الحضور الأمني الدائم، فإن السؤال لا يعود فقط: كم تمتلك السلطة من قوات؟ بل: إلى أي مدى تستطيع المحافظة على هذا الانتشار، وإلى أي حد تستطيع معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل السيطرة الأمنية ضرورية أصلا؟
من هذه الزاوية يمكن قراءة خطاب “القوة العظمى” باعتباره جزءا من معركة الرواية السياسية. السلطة تريد أن تقدم صورة عن دولة قوية، واثقة من قدرتها على الردع والتعبئة؛ بينما تقدم مؤشرات العملة والانتشار الأمني صورة عن دولة تواجه ضغوطا داخلية شديدة.
ولا يعني ذلك تلقائيا أن النظام على وشك السقوط، فالأزمات الاقتصادية والأمنية قد تستمر طويلا من دون أن تؤدي بالضرورة إلى تغيير سياسي. لكنه يعني أن مفهوم القوة نفسه أصبح موضع اختبار: هل تقاس القوة بما تقوله القيادة عن قدرتها، أم بما تحتاجه فعليا للحفاظ على النظام في الداخل؟
في إيران اليوم، يبدو أن الشوارع والعملة والمحاكم والفضاء الإلكتروني باتت جميعا ساحات للمعركة نفسها: معركة السيطرة على المجال العام. ومن هذه الزاوية تحديدا، قد يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كانت طهران تستطيع إعلان قوتها، بل ما إذا كانت تستطيع تحمل كلفة إثباتها كل يوم.

زر الذهاب إلى الأعلى