بؤر الخطر الإقليمية والعقائدية للهيكل الحاكم في إيران

صواریخ بالیستیکیة النظام الایراني-
جريدة الأمة الإلكترونية-د. توفيق المراعية- النائب الأردني السابق:
تُظهر دراسة التطورات والسياسات العامة للحكم الحالي في إيران أن مقاربة هذه المجموعة تتجاوز حدود الدولة الجيوسياسية التقليدية.
فالديناميكيات الخارجية لهذا الهيكل -بدءاً من تسليح الميليشيات وصولاً إلى زعزعة الاستقرار في الممرات الحيوية وحدود الدول العربية- تشكل برمتها أجزاءً من عقيدة أيديولوجية توسعية ترى في الفوضى الإقليمية وسيلة لبقائها واستمرار نفوذها.
ولا يعد وقوع الاعتداءات بالمسيرات والصواريخ التي تستهدف الأردن وسائر دول المنطقة مجرد حوادث عرضية،
بل هو نتاج استراتيجية بعيدة المدى يعتمدها الحرس الثوري بهدف إضفاء الطابع العابر للحدود على الهيكل الميليشياوي، وتحويل المجتمعات المحيطة إلى عمق استراتيجي لممارسة الضغط والابتزاز السياسي.
وفي هذا السياق، ونتيجة لالتزام الأردن بالثبات والاعتدال والسياسة الخارجية المتوازنة، فقد أدرك جيداً أن استهداف الأجواء العربية لا يمثل مجرد خرق عسكري فحسب،
بل يشكل تطاولاً سافراً على مفهوم الدولة الوطنية وحق الشعوب في العيش بأمن وسلام بعيداً عن مشاريع التوسع والهيمنة.
الارتباط الوثيق بين القمع الداخلي وإشعال الحروب العابرة للحدود
يتمثل العنصر الرئيسي في فهم آلية بقاء هذا الحكم بالترابط الوثيق بين مقولتي القمع الداخلي وخلق التوترات الخارجية. فمع تضيق الخناق على الأزمات الهيكلية وتصاعد المخاوف من الانتفاضات الشعبية، عمدت آلة القمع الداخلية إلى زيادة وتيرة الإعدامات والاعتقالات التعسفية.
ويأتي الهجوم المنهجي على قطاعات الشباب المحتجين والنشطاء، ولا سيما مناصري منظمة مجاهدي خلق ضمن شبكة وحدات المقاومة المنظمة، كمحاولة يائسة لكسر الإرادة العامة والحيلولة دون انفجار الغضب الاجتماعي المتراكم.
إن الحجم المتصاعد لأعواد المشانق والسجون المظلمة في الداخل يشكل أدوات سياسية يستخدمها نظام ولاية الفقيه لإرهاب الشارع الإيراني؛ فالنظام العاجز عن تزويد شعبه بالخبز والحرية والكرامة يسعى لحكمه بالمشانق والسجون،
وبعث رسالة دموية للشباب مفادها أن المطالبة بالتغيير قد تفضي إلى الإعدام. ومع ذلك، يثبت تاريخ الشعوب أن الاستبداد العنيف لا يخلق استقراراً،
بل يراكم أسباب الانفجار حتماً. ولا يمكن بحال من الأحوال فصل الأزمات الداخلية عن التهديدات الإقليمية؛
نظراً لوحدة مصدر التهديد وإن تعددت ساحاته، وهدفه النهائي المنحصر في منع السقوط المحتوم للنظام بأي ثمن.
مأزق الخيارات العسكرية ودبلوماسية المهادنة
أثبتت تجربة الأعوام الأخيرة، ولا سيما تطورات النصف الأول من عام ٢٠٢٦، أن الضربات العسكرية المرحلية أو الردود المحدودة لا تمتلك القدرة على اقتلاع جذور الهيكل القمعي أو تفكيك المؤسسات الأساسية الحاكمة في طهران.
فالضربات العسكرية قد تضعف بعض الأدوات الخارجية مؤقتاً، لكنها لا تقضي على بنية الإرهاب ولا تفكيك الحرس الثوري.
ومن جهة أخرى، فإن الرهان على الدبلوماسية الرخوة والمساومات السياسية لا يؤدي إلا إلى إطالة عمر الأزمة ومنح هذا الهيكل المهترئ وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب أوراقه.
إن الاستراتيجية المبدئية والواقعية للتعامل مع هذا الأزمات المزمنة ترتكز على تقديم الدعم الشامل لإرادة الشعب الإيراني وحركته المقاومة المنظمة من أجل الإطاحة الجذرية بهذا النظام،
حيث يتطلب تغيير معادلات السلام قطع الغطاء الدبلوماسي عن السلطة الحاكمة في المحافل الدولية وتجفيف منابع تمويل آلة القمع.
الأفق المشرق لإيران الغد وضرورة المحاسبة الدولية
لقد تجاوز الحراك الشعبي الجديد في إيران المطالب المعيشية السطحية ليطرح بنية هيكلية متكاملة لإسقاط النظام الاستبدادي بأسره.
وتجسد صرخات السجناء السياسيين في سراديب مثل سجن إيفين، وجهود وحدات المقاومة والجيل الجديد التي لا تلين، قطيعة قاطعة مع كافة أشكال الدكتاتورية والتبعية،
سواء بالعودة إلى الماضي البهلوي أو بالبقاء تحت عباءة الملالي. إن التطلع نحو إتمام إقامة جمهورية ديمقراطية قائمة على السيادة الشعبية وفصل الدين عن الدولة يمثل ركيزة متينة لمستقبل إقليمي مستقر.
ولن تشكل إيران الحرة والديمقراطية خطراً على الأردن أو الخليج أو اليمن أو العراق أو لبنان أو سوريا، بل ستغدو ركيزة حقيقية للتوازن والاستقرار والتعاون في الشرق الأوسط.
فالاستقرار الحقيقي لن يتحقق بإدارة الأزمات التي يصنعها النظام الإيراني تباعاً، بل بمعالجة أصل المشكلة في طهران. وعندما يتوقف تصدير الميليشيات،
وتتوقف آلة الإعدامات بحق شباب الثورة ووحدات المقاومة، ويستعيد الشعب الإيراني حريته، عندها فقط ستفتح المنطقة صفحة جديدة من الأمن والسلام والتعاون الحقيقي بين شعوبها.
د. توفيق المراعية نائب أردني سابق