حين تنتفض المرأة.. يبدأ النظام في فقدان السيطرة

صورة لدور المرأة الایرانیة فی الاحتجاجات الشعبیة-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم يترك نظام طهران فئة من فئات المجتمع الإيراني إلا وطالتها أدوات القمع والتمييز والاعتقال والإعدام، غير أن المرأة احتلت، منذ الأيام الأولى لقيام الجمهورية الإسلامية، موقعا استثنائيا في منظومة السيطرة، لأنها لم تعامل باعتبارها مواطنة كاملة الحقوق فحسب، بل جرى تحويل جسدها وملبسها وحضورها في الحياة العامة إلى ساحة لإثبات سلطة النظام وقدرته على فرض رؤيته على المجتمع، ولذلك فإن معركة المرأة الإيرانية مع السلطة لم تعد قضية اجتماعية محدودة، وإنما أصبحت واحدة من أكثر جبهات الصراع وضوحا، وأحد المؤشرات المهمة على طبيعة العلاقة المتوترة بين النظام والمجتمع.
فالحجاب الإلزامي، الذي حاول النظام تقديمه بوصفه مسألة دينية أو أخلاقية، تحول مع مرور الوقت إلى رمز لمنظومة أوسع من القيود التي تحدد للمرأة كيف تظهر، وأين تعمل، وكيف تتحرك، وما الذي تستطيع أن تفعله في المجال العام، ومع كل محاولة لتشديد هذه القيود كانت تتسع، في المقابل، مساحة الرفض، حتى أصبح الظهور من دون الحجاب الإلزامي، بالنسبة إلى قطاعات من النساء، فعلا يوميا من أفعال العصيان المدني، وليس مجرد مخالفة لقانون تفرضه السلطة.
لكن اللحظة التي قلبت هذه المعادلة جاءت مع وفاة جينا مهسا أميني في سبتمبر/أيلول 2022، والتي فجرت احتجاجات عام 2022، فتحولت المرأة من هدف أساسي لسياسات الإكراه إلى قوة أساسية في الاحتجاج عليها، ولم يعد الشارع الإيراني ينظر إلى قضية المرأة باعتبارها قضية نسائية منفصلة، بل باعتبارها مدخلا إلى سؤال أكبر يتعلق بالحرية والكرامة والحق في اختيار نمط الحياة، ولذلك سرعان ما تجاوز الحراك حدود المطالبة بحقوق النساء ليصبح احتجاجا واسعا على منظومة سياسية واجتماعية بأكملها.
وهنا تكمن المفارقة التي يصعب على النظام التخلص منها: كلما حاول أن يجعل من المرأة دليلا على قدرته على فرض الانضباط، تحولت المرأة إلى دليل على حدود هذه القدرة، وكلما شدد الرقابة والعقوبات، ازداد الرفض ظهورا في الشوارع والجامعات وأماكن العمل، وأصبحت المواجهة اليومية بين المرأة وأجهزة السلطة صورة مصغرة عن مواجهة أكبر بين مجتمع يريد مساحة أوسع من الحرية ونظام يريد الاحتفاظ بقدرته على التحكم في تفاصيل حياة مواطنيه.
ولذلك لم يكن رد السلطة على الاحتجاجات مجرد إجراءات قانونية عادية، بل وثقت منظمات حقوقية دولية عمليات قتل واعتقال وتعذيب وعنف جنسي واختفاء قسري واضطهاد خلال قمع احتجاجات عام 2022، كما واصلت السلطات، وفق تقارير حقوقية حديثة، استخدام قوانين وإجراءات مختلفة لفرض الحجاب الإلزامي ومعاقبة النساء اللواتي يرفضن الامتثال، بما في ذلك المراقبة الرقمية والضغوط على أماكن العمل وبعض المؤسسات التعليمية والتجارية.
غير أن القمع لم ينجح في إعادة القضية إلى ما قبل عام 2022؛ فالمرأة الإيرانية تغير موقعها في المعادلة، ولم تعد تنتظر أن يأتي التغيير إليها من داخل مؤسسات النظام، بل أصبحت هي نفسها جزءا من القوة التي تضغط من أجل التغيير، سواء من خلال الاحتجاج المباشر، أو العصيان المدني، أو النشاط الحقوقي، أو مجرد الرفض اليومي للقيود التي تريد السلطة فرضها على حياتها.
والأهم من ذلك أن قضية المرأة لم تعد منفصلة عن بقية قضايا المجتمع، بل أصبحت نقطة تلتقي عندها ملفات متعددة؛ فالنظام الذي يقمع المرأة هو نفسه الذي يعتقل المحتج، ويلاحق المعارض، ويقيد الصحفي، ويضيق على الأقليات، ويستخدم الإعدام والسجن وأجهزة الأمن لإدارة الخلاف السياسي والاجتماعي، ولذلك تحولت مقاومة المرأة إلى نافذة تكشف من خلالها قطاعات واسعة من الإيرانيين طبيعة الصراع الأوسع على مستقبل البلاد.
إن ما يقلق النظام، في نهاية المطاف، ليس مجرد امرأة تخلع حجابها في شارع أو جامعة، وإنما أن يتحول هذا الفعل البسيط إلى إعلان يومي بأن سلطة الدولة ليست مطلقة على حياة الفرد، وأن الخوف الذي اعتمدت عليه السلطة طويلا يمكن أن يتراجع عندما يقرر المواطن أن يقول “لا”، وأن المرأة التي كان يراد لها أن تكون الحلقة الأضعف في منظومة السيطرة يمكن أن تصبح إحدى أكثر حلقاتها إزعاجا للسلطة.
ولهذا فإن معركة المرأة الإيرانية ليست معركة على الحجاب وحده، ولا على قانون واحد، ولا على مساحة محددة في الحياة العامة؛ إنها معركة على حق الإنسان في أن يقرر كيف يعيش، وعلى حق المجتمع في أن يرفض الإكراه، وعلى قدرة السلطة على فرض إرادتها بالقوة إلى ما لا نهاية. ومن هنا تحديدا تكمن خطورتها بالنسبة للنظام: فالمرأة التي كان يريدها شاهدا على نجاح مشروعه في إخضاع المجتمع، تحولت إلى شاهد على حدود هذا المشروع؛ والمرأة التي أراد إسكاتها أصبحت صوتا، والتي أراد حصرها داخل جدران الخوف خرجت إلى الشارع، ومن خرجت من دائرة الخوف يصعب إعادتها إليها. ولذلك فإن السؤال لم يعد هل تستطيع السلطة قمع المرأة، فهي تستطيع ذلك بقوة أجهزتها، وإنما السؤال الأعمق هو: كم تستطيع أن تحكم مجتمعا يزداد فيه عدد النساء اللواتي لم يعدن يقبلن بأن تكون حريتهن رهنا بإرادة السلطة؟