الأخبارالمعارضة الإيرانية

التعليم الإيراني رهينة الفقر وسياسات النظام

التعليم الإيراني رهينة الفقر وسياسات النظام
حين تقرع أجراس المدارس في بداية عام دراسي جديد، يفترض أن تكون الرسالة واضحة

صورة للتعلیم فی ایران –
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
حين تقرع أجراس المدارس في بداية عام دراسي جديد، يفترض أن تكون الرسالة واضحة: جيل جديد يدخل الفصول ليكتسب المعرفة، ويصنع مستقبله، ويهيئ بلاده لمستقبل أفضل. لكن المشهد في إيران يبدو مختلفا بصورة مؤلمة. فبالنسبة إلى أعداد متزايدة من الأطفال، لم تعد المدرسة بوابة للخروج من الفقر، بل أصبحت كلفتها نفسها سببا في السقوط فيه.
ومع بداية العام الدراسي في سبتمبر/أيلول 2026، تضع أزمة التعليم في إيران أمام العالم سؤالا يتجاوز عدد المدارس والكتب والحقائب: ماذا يحدث لبلد يحرم فيه نحو مليون طفل، وفق المعطيات الواردة في التقرير، من مقاعد الدراسة؟
إنها ليست مجرد أزمة تعليم.
إنها أزمة مستقبل.
التقرير يشير إلى أن أعداد الأطفال خارج المدرسة ارتفعت من نحو 777 ألفا في منتصف العقد الماضي إلى أكثر من مليون حاليا. وهذه الأرقام تحتاج إلى التحقق المستقل والدقيق، لكن الاتجاه الذي تعكسه يتقاطع مع صورة اقتصادية شديدة الصعوبة يعيشها الإيرانيون. فقد أدت الحرب والعقوبات والتضخم وانهيار قيمة العملة إلى ضغط هائل على الأسر، بينما أشارت تقارير حديثة إلى أن التضخم الغذائي في إيران بلغ مستويات شديدة الارتفاع، وأن الأجور فقدت جزءا كبيرا من قدرتها الشرائية.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية.
فالطفل لا يخرج من المدرسة فجأة.
يبدأ الأمر بحقيبة لم يعد الأب قادرا على شرائها، ودفاتر وملابس مدرسية أصبحت عبئا، ومواصلات تستنزف دخلا بالكاد يكفي الطعام، ثم تأتي “المساهمات” والرسوم والمصروفات المختلفة لتدفع الأسرة الفقيرة إلى السؤال القاسي: هل نستطيع فعلا أن نرسل أبناءنا إلى المدرسة؟
وهكذا يتحول التعليم، الذي يفترض أن يكون حقا عاما وأداة للعدالة الاجتماعية، إلى امتياز مرتبط بقدرة الأسرة على الدفع.
حتى اليونيسف تشير، في سياق إيران، إلى أن رسوما مرتبطة بإجراءات الفحص الصحي المدرسي، رغم صغرها، يمكن أن تثني بعض الأسر منخفضة الدخل عن تسجيل أطفالها.
فكيف يكون الحال عندما تتراكم هذه الكلفة الصغيرة مع عشرات الأعباء الأخرى؟
هنا تتحول المدرسة من سلم اجتماعي إلى مرآة للفقر.
الأكثر خطورة أن المسألة لا تتوقف عند الأطفال الذين يغادرون المدرسة. فحتى من يبقى داخلها قد يواجه تعليما متفاوت الجودة، وفجوة متزايدة بين مدارس الأسر القادرة على الإنفاق والمدارس الحكومية التي تتحمل أعباء اقتصادية وبشرية متزايدة.
وبذلك لا يعود السؤال: من سيدخل الجامعة؟
بل يصبح: من يملك أصلا فرصة الوصول إليها؟
وهذه هي أخطر نتائج تسليع التعليم. فالطبقة الميسورة تستطيع شراء الدروس الخصوصية، والبيئة التعليمية الأفضل، والأجهزة الرقمية، والمدارس ذات الموارد الأكبر. أما الطفل الفقير، فيبدأ السباق متأخرا، ثم يطلب منه أن ينافس الآخرين وكأن الجميع انطلقوا من خط البداية نفسه.
لكنهم لم يفعلوا.
إنها وصفة مثالية لإعادة إنتاج الفقر جيلا بعد جيل.
والنتيجة ليست اجتماعية فقط؛ إنها اقتصادية واستراتيجية أيضا. فالدول لا تبني قوتها بالنفط والغاز وحدهما. الثروة الحقيقية لأي بلد تكمن في الإنسان: في الطبيب والمهندس والمعلم والباحث والمبرمج والحرفي ورجل الأعمال والعامل الماهر.
عندما يحرم مليون طفل من التعليم، فإن الخسارة ليست مليون مقعد دراسي فقط.
إنها خسارة محتملة لمليون مسار بشري.
ومع كل عام يمر من دون معالجة جذرية، تتسع الفجوة بين ما تحتاجه إيران من مهارات وكفاءات وبين ما يستطيع نظامها التعليمي إنتاجه.
والأخطر أن إيران تواجه في الوقت نفسه ظاهرة هجرة الكفاءات والشباب، فيما تزداد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على من بقوا داخل البلاد. وقد أصبحت مسألة هجرة أصحاب المهارات جزءا من النقاش العام الإيراني، بينما تعكس تقارير حديثة أيضا انخفاضا حادا في مستويات المعيشة والأجور مقارنة بكلفة الحياة.
وهكذا تتشكل حلقة مدمرة:
فقر يؤدي إلى التسرب، وتسرب يؤدي إلى ضعف المهارات، وضعف المهارات يحد من فرص العمل، وضعف فرص العمل يعمق الفقر.
أما الدولة التي يفترض أن تكسر هذه الحلقة بالتعليم المجاني الجيد، فتجد نفسها أمام نظام يزداد انقساما بين تعليم يستطيع الأغنياء الوصول إليه وتعليم تتراجع قدرته على إنقاذ الفقراء.
وهنا لا بد من النظر إلى القضية من زاوية أوسع.
التعليم ليس بندا يمكن التضحية به عندما تضيق الميزانية.
إنه الاستثمار الذي يحدد قدرة الدولة على البقاء والتطور لعقود.
وكل دولار لا يستثمر في تعليم طفل اليوم قد يتحول غدا إلى تكلفة اجتماعية واقتصادية أكبر: بطالة، فقر، عمل غير رسمي، ضعف إنتاجية، هجرة، وتراجع في القدرة على الابتكار.
لهذا فإن أخطر ما يحدث في التعليم الإيراني ليس فقط ما يظهر داخل الفصل الدراسي، وإنما ما سيظهر بعد عشر سنوات في سوق العمل والمجتمع والجامعات ومؤسسات الدولة.
إنك تستطيع أن تخفي مدرسة متداعية عن الكاميرات، لكنك لا تستطيع إخفاء جيلا كاملا حين يكبر بلا تعليم كاف.
ومن هنا يصبح الحديث عن “مستقبل إيران” ناقصا إذا لم يبدأ من الطفل.
لا يمكن بناء اقتصاد قوي بأجيال محرومة من التعليم.
ولا يمكن الحديث عن مجتمع حديث فيما تتحول المدرسة إلى امتياز طبقي.
ولا يمكن لدولة أن تواجه تحديات القرن الحادي والعشرين بعقلية ترى في الإنفاق على الإنسان ترفا، فيما تتسع الهوة بين الأغنياء والفقراء ويترك الأطفال الأكثر هشاشة خارج الصفوف.
إن الجرس الذي يقرع في المدارس الإيرانية هذا الخريف لا يعلن بداية عام دراسي فقط.
إنه يدق أيضا جرس إنذار.
فكل طفل يدفع خارج المدرسة اليوم هو جزء من مستقبل ينتزع من إيران غدا.
وإذا استمر هذا المسار، فلن تكون الخسارة في عدد التلاميذ الذين غادروا مقاعدهم، بل في عدد الأطباء والمهندسين والمعلمين والباحثين ورواد الأعمال الذين لم تتح لهم فرصة أن يصبحوا ما كان يمكن أن يكونوا عليه.
وهنا تكمن المفارقة الأقسى:
بلد يمتلك موارد بشرية هائلة، وتاريخا علميا وثقافيا عريقا، وجيلا شابا واسعا، يمكن أن يجد نفسه أمام مستقبل أفقر لا بسبب غياب العقول، وإنما بسبب إفقار الطريق الذي يقود إليها.
إن سرقة المستقبل لا تبدأ دائما بإغلاق المدارس.
أحيانا تبدأ بجعل التعليم باهظ الكلفة على الفقراء.
ثم يأتي التسرب.
ثم يأتي العمل المبكر.
ثم تضيع المهارات.
ثم تكبر الفجوة.
وعندما يكتشف المجتمع حجم الخسارة، يكون جيل كامل قد دفع الثمن.
لهذا فإن معركة التعليم في إيران ليست معركة دفاتر وحقائب ومدارس؛ إنها معركة على الإنسان الإيراني نفسه، وعلى شكل إيران التي ستظهر بعد عقد أو عقدين.
ومن يفرط في تعليم الأطفال اليوم، يفرط عمليا في قدرة بلاده على امتلاك الغد.

زر الذهاب إلى الأعلى