الأخبارالمعارضة الإيرانية

العراق رهينة النفوذ الإيراني: حين تصبح الدولة أسيرة وكلائها

العراق رهينة النفوذ الإيراني: حين تصبح الدولة أسيرة وكلائها
وکلاء نظام الملالي في العراق

وکلاء نظام الملالي في العراق-
بحزاني -منى سالم الجبوري:
لم يعد السؤال في العراق اليوم: لماذا تتعثر الدولة؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا: من يملك قرار الدولة؟
فبعد أكثر من عقدين على سقوط النظام السابق، لا يزال العراق عاجزا عن بناء معادلة سياسية تجعل مؤسسات الدولة صاحبة القرار الأول والأخير في الأمن والسياسة والعلاقات الخارجية. وفي قلب هذه المعضلة يقف النفوذ الإيراني وشبكة القوى السياسية والفصائل المسلحة المرتبطة بطهران، والتي استطاعت، على مدى سنوات، أن تتحول من نفوذ خارج الدولة إلى نفوذ داخلها.
وتشير تقارير حديثة إلى أن جماعات مسلحة مدعومة من إيران باتت تمتلك نفوذا سياسيا وعسكريا واقتصاديا واسعا، فيما أصبحت بعض هذه القوى ممثلة في البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة.
وفي هذا المشهد يبرز نوري المالكي بوصفه أحد أكثر اللاعبين السياسيين تأثيرا داخل “الإطار التنسيقي”. وقد وصفت رويترز المالكي بأنه يحتفظ بعلاقات وثيقة مع الفصائل المدعومة من إيران، فيما أثار ترشيحه لرئاسة الحكومة في يناير الماضي اعتراضات أميركية صريحة بسبب ما اعتبرته واشنطن قربه من طهران.
لكن المشكلة لا تكمن في شخص المالكي وحده.
فالمالكي، في القراءة الأوسع، جزء من منظومة سياسية تسمح بتداخل القرار الحزبي مع القرار الحكومي، وتضع التوازنات بين قوى الإطار فوق حاجة الدولة إلى حكومة متماسكة ومؤسسات مستقلة. والتقرير الذي تناول الخلافات الأخيرة داخل الإطار يكشف بوضوح كيف يمكن لصراع القوى على المناصب أن يعطل استكمال الحكومة، بل وكيف أصبحت بعض الوزارات الأمنية موضع تجاذب سياسي وفصائلي.
والأخطر أن أزمة المناصب ليست سوى الوجه السياسي لأزمة أكبر: أزمة السلاح والقرار السيادي.
فمع اقتراب موعد 30 سبتمبر/أيلول، ما زال ملف حصر السلاح بيد الدولة يواجه مقاومة من فصائل قوية. وقد أفادت تقارير بأن اجتماعا بين الإطار التنسيقي وعدد من الفصائل لم ينعقد بسبب غياب حركة النجباء، فيما تحدثت قيادات فصائلية عن “تنظيم” السلاح بدل تسليمه للدولة.
وهنا تتضح مأساة العراق.
كيف يمكن لدولة أن تبني سياسة خارجية مستقلة إذا كانت جماعات مسلحة على أراضيها تستطيع، أو يتهم بها، تنفيذ هجمات على دول الجوار؟
في سبتمبر الحالي، أعلنت بغداد أن هجوما استهدف منشآت نفطية سعودية انطلق من موقع في محافظة ميسان العراقية، بينما تحدثت رويترز عن هجوم بطائرة مسيرة على خط النفط السعودي نسب مصدره إلى العراق، في وقت تواجه فيه بغداد ضغوطا متزايدة لكبح الجماعات المرتبطة بإيران.
وهكذا يدفع العراق ثمن صراع لا يخدم مصالحه.
فحين تصبح أراضيه ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، تتحول سيادته إلى شعار، وحين تصبح بعض الفصائل جزءا من معادلة السلطة والسلاح في آن واحد، يصبح تطبيق مبدأ احتكار الدولة للقوة مسألة تفاوض سياسي بدل أن يكون قاعدة دستورية بديهية.
ولذلك فإن أزمة العراق ليست مجرد أزمة حكومة متأخرة، ولا أزمة وزراء ومناصب، ولا حتى خلاف بين المالكي وخصومه داخل الإطار.
إنها أزمة دولة مخترقة بتوازنات ما دون الدولة.
وما دام القرار العراقي موزعا بين المؤسسات الرسمية وقوى سياسية مرتبطة بشبكات نفوذ إقليمية وفصائل مسلحة ترفض التخلي بسهولة عن استقلال قرارها، فإن الحديث عن عراق مستقر وذي سيادة سيبقى ناقصا.
العراق لا يحتاج إلى تبديل الوجوه داخل المنظومة نفسها بقدر ما يحتاج إلى استعادة مفهوم الدولة: سلاح واحد، قرار واحد، سياسة خارجية واحدة، ومؤسسات لا تخضع لزعيم حزب أو قائد فصيل أو عاصمة أجنبية.
ولهذا فإن معالجة الأزمة العراقية تبدأ من معالجة أصلها، لا أعراضها. وإذا كان النفوذ الإيراني قد تمكن خلال السنوات الماضية من ترسيخ نفوذه عبر قوى سياسية وفصائل مسلحة حليفة له، فإن استعادة العراق لقراره الوطني تتطلب إنهاء قدرة أي قوة خارجية على توجيه القرار العراقي عبر وكلائها.
فلا يمكن بناء عراق مستقر مع تعدد مراكز القوة، ولا يمكن بناء دولة ذات سيادة ما دام السلاح والسياسة يتحركان في مسارين متوازيين.
إن معركة العراق الحقيقية ليست بين هذا السياسي وذاك، ولا بين كتلة وأخرى؛ إنها معركة بين منطق الدولة ومنطق الوكالة.
وحين ينتصر منطق الدولة، يصبح العراق قادرا على أن يكون دولة للعراقيين أولا، لا ساحة نفوذ لأي عاصمة أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى